التاريخ لا يُكتب بلحظة انسحاب .. وإيران لاعبٌ لا يعرف الاستسلام
د. عبير الرحباني
15-03-2026 01:17 PM
منذ التصريح الذي صدر يوم أمس عن البيت الأبيض حول "إعلان النصر والانسحاب من المواجهة مع إيران".. عاد الجدل ليتصاعد حول حقيقة ما يجري في المنطقة.. هل هو إنتصار فعلي أنهى مرحلة الصراع.. أم أنه مجرد إعادة تموضع ضمن معركة جيوسياسية أوسع لم تنته بعد؟!!
فاللغة السياسية في مثل هذه اللحظات غالبا ما تخفي خلفها حسابات أكثر تعقيداً من مجرد إعلان نهاية حرب.. إذ إن المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران لم تكن يوما صراعا عسكرياً تقليدياً بقدر ما هي صراع إرادات ونفوذ يمتد إلى الجغرافيا الاستراتيجية وأسواق الطاقة العالمية.. حيث تلعب الممرات البحرية والنفطية دورا حاسما في تحديد موازين القوة..
ومن هنا يبرز السؤال الأهم!! هل نحن أمام نهاية مواجهة !؟ أم أمام بداية مرحلة جديدة تدار فيها الصراعات بوسائل مختلفة؟!..
فعندما يخرج البيت الأبيض ليتحدث عن "إعلان النصر" أو عن نية الانسحاب من مواجهة مع إيران.. فإن السؤال الحقيقي لا يكون من انتصر؟ بل من قرر تغيير قواعد اللعبة؟
ففي الحروب المعاصرة لم يعد الإنتصار يقاس فقط بعدد الصواريخ أو حجم الدمار.. بل بقدرة كل طرف على فرض معادلة ردع تجعل الحرب مكلفة إلى حد يدفع الخصم إلى إعادة حساباته..
ومن هنا تبرز خصوصية الحالة الإيرانية التي تختلف في بنيتها عن كثير من الدول التقليدية..
إيران لا تتحرك فقط بمنطق الدولة الكلاسيكية التي تحكمها الحسابات الاقتصادية البحتة.. بل بمنظومة سياسية وعسكرية تحمل بعدا عقائديا يجعلها أكثر استعداداً لتحمل الضغوط والخسائر لفترات طويلة.. هذه العقيدة القتالية تمنحها قدرة على الصمود في مواجهة الضغوط الدولية.. وتجعل من فكرة الإستنزاف الإقتصادي أقل تأثيراً على قرارها السياسي مقارنة بدول أخرى..
في المقابل.. فإن الولايات المتحدة الأمريكية على الرغم من قوتها العسكرية الهائلة.. إلا أنها تبقى دولة ترتبط استراتيجيتها بمصالح الاقتصاد العالمي واستقرار أسواق الطاقة.. فاندلاع مواجهة واسعة في منطقة الخليج قد يهدد إمدادات النفط العالمية ويؤدي إلى اضطرابات اقتصادية كبيرة.. وهو سيناريو تحاول واشنطن تفاديه قدر الإمكان.. ومن هنا يتحول الصراع من مجرد مواجهة عسكرية إلى صراع على الجغرافيا الاستراتيجية..
فالقضية لم تعد في امتلاك النفط فحسب.. بل في القدرة على التحكم بالممرات التي يعبر من خلالها..
وفي قلب هذه المعادلة يقف مضيق هرمز.. أحد أهم الشرايين البحرية التي تمر عبرها نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية..
لذا فإن إيران تدرك جيدا حساسية هذا الموقع.. ولذلك تعتمد في استراتيجيتها على سياسة الضغط غير المباشر على الولايات المتحدة عبر التلويح بقدرتها على تهديد الممرات النفطية..
كما أن طهران تدرك أن واشنطن لا تخشى المواجهة العسكرية بقدر ما تخشى الفوضى التي قد تضرب أسواق الطاقة العالمية.. ومن هنا تأتي معادلة الضغط الإيرانية ( إذا تعرضت إيران لضغط شديد أو حصار اقتصادي.. فإنها قادرة على نقل التوتر إلى الممرات البحرية التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي)..
فمجرد التلويح بإمكانية تعطيل الملاحة في مضيق هرمز كفيل بإحداث إرتباك في الأسواق العالمية ورفع أسعار النفط.. وهو ما يشكل ضغطا سياسيا واقتصاديا غير مباشر على صانع القرار الأمريكي.. وبهذا المعنى لا تواجه إيران خصومها بالسلاح فقط.. بل أيضا بورقة الجغرافيا الاقتصادية..
ومع ذلك.. فإن الحديث عن (انسحاب أمريكي) قد لا يكون توصيفا دقيقا لما يحدث فعليا.. فالسياسة الأمريكية غالبا لا تقوم على الإنسحاب الكامل.. بل على إعادة التموضع الاستراتيجي.. أي تقليل الإنخراط العسكري المباشر مقابل إدارة الصراع بوسائل أخرى مثل الضغوط الإقتصادية والتحالفات الإقليمية وإدارة التوازنات في المنطقة..
لذلك قد يكون إعلان "النصر" الأمريكي في كثير من الأحيان لغة سياسية تهدف إلى توفير مخرج استراتيجي يحفظ الهيبة ويجنب الدخول في حرب طويلة ومكلفة.. أكثر منه توصيفا لحسم عسكري نهائي..
لذا يبدو أن الصراع في المنطقة لم يعد مجرد مواجهة بين جيوش.. بل هو صراع إرادات تتحكم فيه العقيدة السياسية والجغرافيا الاقتصادية والممرات الاستراتيجية..
وبرأيي.. في عالم تحكمه حركة الطاقة والتجارة.. قد لا يكون من يملك النفط هو الأقوى.. بل من يملك القدرة على التأثير في الطرق التي يمر عبرها..
فما يجري اليوم ليس مجرد صراع عسكري.. بل إعادة تشكيل لمعادلات القوة في المنطقة..
فالتاريخ لا يكتب بلحظة انسحاب.. ولا يحسم بقرار قوة عابرة.. قد تنسحب الولايات المتحدة.. لكن إيران كدولة لا تستسلم بسهولة.. بل لاعب يجيد الصبر وتوظيف أدوات الضغط.. وعند تلك اللحظة.. لن يكون المشهد نهاية صراع.. بل بداية إعادة ترتيب كبرى للأوراق.. حيث تبقى المنطقة معلقة بين حسابات القوة.. وصراع الإرادات الذي لم يصل بعد إلى كلمته الأخيرة..إعلان النصر.. أم إدارة الانسحاب!!
ففي اللغة السياسية في مثل هذه اللحظات غالبا ما تخفي خلفها حسابات أكثر تعقيداً من مجرد إعلان نهاية حرب.. إذ إن المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران لم تكن يوما صراعا عسكرياً تقليدياً بقدر ما هي صراع إرادات ونفوذ يمتد إلى الجغرافيا الاستراتيجية وأسواق الطاقة العالمية.. حيث تلعب الممرات البحرية والنفطية دورا حاسما في تحديد موازين القوة..
ومن هنا يبرز السؤال الأهم!! هل نحن أمام نهاية مواجهة!؟ أم أمام بداية مرحلة جديدة تدار فيها الصراعات بوسائل مختلفة؟!.. خاصة وأن الإنتصار لم يعد يقاس فقط بعدد الصواريخ أو حجم الدمار.. بل بقدرة كل طرف على فرض معادلة ردع تجعل الحرب مكلفة إلى حد يدفع الخصم إلى إعادة حساباته..
ومن هنا تبرز خصوصية الحالة الإيرانية التي تختلف في بنيتها عن كثير من الدول التقليدية..
إيران لا تتحرك فقط بمنطق الدولة الكلاسيكية التي تحكمها الحسابات الاقتصادية البحتة.. بل بمنظومة سياسية وعسكرية تحمل بعدا عقائديا يجعلها أكثر استعداداً لتحمل الضغوط والخسائر لفترات طويلة.. هذه العقيدة القتالية تمنحها قدرة على الصمود في مواجهة الضغوط الدولية.. وتجعل من فكرة الإستنزاف الإقتصادي أقل تأثيراً على قرارها السياسي مقارنة بدول أخرى..
وفي المقابل.. فإن الولايات المتحدة الأمريكية على الرغم من قوتها العسكرية الهائلة.. إلا أنها تبقى دولة ترتبط استراتيجيتها بمصالح الاقتصاد العالمي واستقرار أسواق الطاقة.. فاندلاع مواجهة واسعة في منطقة الخليج قد يهدد إمدادات النفط العالمية ويؤدي إلى اضطرابات اقتصادية كبيرة.. وهو سيناريو تحاول واشنطن تفاديه قدر الإمكان..
ومن هنا يتحول الصراع من مجرد مواجهة عسكرية إلى صراع على الجغرافيا الاستراتيجية..
فالقضية لم تعد في امتلاك النفط فحسب.. بل في القدرة على التحكم بالممرات التي يعبر من خلالها..
وفي قلب هذه المعادلة يقف مضيق هرمز.. أحد أهم الشرايين البحرية التي تمر عبرها نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية..
لذا فإن إيران تدرك جيدا حساسية هذا الموقع.. ولذلك تعتمد في استراتيجيتها على سياسة الضغط غير المباشر على الولايات المتحدة عبر التلويح بقدرتها على تهديد الممرات النفطية..
فطهران تدرك أن واشنطن لا تخشى المواجهة العسكرية بقدر ما تخشى الفوضى التي قد تضرب أسواق الطاقة العالمية.. ومن هنا تأتي معادلة الضغط الإيرانية ( إذا تعرضت إيران لضغط شديد أو حصار اقتصادي.. فإنها قادرة على نقل التوتر إلى الممرات البحرية التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي)..
فمجرد التلويح بإمكانية تعطيل الملاحة في مضيق هرمز كفيل بإحداث إرتباك في الأسواق العالمية ورفع أسعار النفط.. وهو ما يشكل ضغطا سياسيا واقتصاديا غير مباشر على صانع القرار الأمريكي.. وبهذا المعنى لا تواجه إيران خصومها بالسلاح فقط.. بل أيضا بورقة الجغرافيا الاقتصادية..
ومع ذلك.. فإن الحديث عن (انسحاب أمريكي) قد لا يكون توصيفا دقيقا لما يحدث فعليا.. فالسياسة الأمريكية غالبا لا تقوم على الإنسحاب الكامل.. بل على إعادة التموضع الاستراتيجي.. أي تقليل الإنخراط العسكري المباشر مقابل إدارة الصراع بوسائل أخرى مثل الضغوط الإقتصادية والتحالفات الإقليمية وإدارة التوازنات في المنطقة..
لذا قد يكون إعلان "النصر" الأمريكي في كثير من الأحيان لغة سياسية تهدف إلى توفير مخرج استراتيجي يحفظ الهيبة ويجنب الدخول في حرب طويلة ومكلفة.. أكثر منه توصيفا لحسم عسكري نهائي.. خاصة وأن الصراع في المنطقة يبدو انه لم يعد مجرد مواجهة بين جيوش.. بل هو صراع إرادات تتحكم فيه العقيدة السياسية والجغرافيا الاقتصادية والممرات الاستراتيجية.
وبرأيي.. في عالم تحكمه حركة الطاقة والتجارة.. قد لا يكون من يملك النفط هو الأقوى.. بل من يملك القدرة على التأثير في الطرق التي يمر عبرها..
فما يجري اليوم ليس مجرد صراع عسكري.. بل إعادة تشكيل لمعادلات القوة في المنطقة..
فالتاريخ لا يكتب بلحظة انسحاب.. ولا يحسم بقرار قوة عابرة.. قد تنسحب الولايات المتحدة.. لكن إيران ليست دولة تستسلم بسهولة.. بل لاعب يجيد الصبر وتوظيف أدوات الضغط.. وعند تلك اللحظة.. لن يكون المشهد نهاية صراع.. بل بداية إعادة ترتيب كبرى للأوراق.. حيث تبقى المنطقة معلقة بين حسابات القوة.. وصراع الإرادات الذي لم يصل بعد إلى كلمته الأخيرة..