في قاموس البعض، تُستخدم كلمة "سحيج" كحجرٍ يُرجم به كل من جهر بحبه لوطنه، أو أعلن ولاءه المطلق لقيادته الهاشمية، أو وقف سداً منيعاً أمام رياح التشكيك المسمومة. يظنونها تهمة تُطأطأ لها الرؤوس وتخرس الألسنة، ولكنني اليوم، وبكل ملء الفم وكبرياء الأردني الصنديد، أقولها: عذراً.. إذا كان حب الأردن والولاء لآل البيت يُسمى في عرفكم "تسحيجاً"، فما أجمله من اتهام، وما أشرفه من لقب أضعه وساماً على صدري ما حييت.
إن هذا الانتماء الذي يسكن وجداننا ليس حكراً على منبت أو أصل، فالأردن لم يكن يوماً مجرد حدود جغرافية جافة، بل كان دوماً "الحضن" الدافئ الذي يتسع لكل من شرب من ماء نهره وتفيأ ظل نخله. "السحيج" في عرفنا هو ذلك الإنسان الأصيل الذي يرى في الأردن سقف بيته وعنوان كرامته، سواء كان أردنياً فلاحاً جبينه شامخ بشموخ جبال السلط وعجلون، ويده خضراء كأرض حوران وسهول إربد، تفوح منه رائحة الزيتون والوفاء للأرض التي لم تخنه يوماً، أو من أصول بدوية ضاربة في عمق الصحراء تشرّب شهامة الرمل وعزة النفس، أو من أصول فلسطينية جُبلت دماؤها بدماء الشهادة وصدق الوعد، أو من أصول سورية حملت معها عطر الياسمين ليزهر في عمان، أو من أصول شركسية وشيشانية صانت العهد منذ فجر التأسيس؛ فنحن جميعاً نذوب في بوتقة واحدة اسمها الأردن، حيث مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، وهذا التنوع هو سيمفونية الوفاء التي لا تقبل القسمة على اثنين.
لكن الغريب والمؤلم في آنٍ واحد، أننا وصلنا إلى زمنٍ يُحاول فيه المرجفون قلب الحقائق الواضحة؛ فأصبح حب الأردن والغيرة على أمنه واستقراره يُغلف زيفاً بتهمة "العنصرية". فبمجرد أن ترفع صوتك مدافعاً عن سيادة بلدك، أو ترفض الإساءة لمؤسساتك الوطنية، يخرج من يحاول إسكاتك بوصمك بالإقليمية، وكأن الدفاع عن البيت يعني كره الجيران، أو كأن الاعتزاز بالهوية الأردنية هو هجوم على الآخرين. إن الانحياز للأردن في الأزمات هو قمة الأخلاق والفروسية، ومن يرى في الدفاع عن وطنه عنصرية، فهو بلا شك يعاني من خلل عميق في بوصلة الانتماء ومفهوم المواطنة.
أنا أفتخر بهذا اللقب لأنني أرى بعين اليقين ما يحاول الحاقدون طمسه، أرى الأمان الذي يفتقده الملايين من حولنا، وأرى المؤسسات التي بُنيت بالعرق والدم لتكون منارة للعلم والطب والخدمة، وأرى الجيش العربي المصطفوي الذي يسهَر ليلنا لننام ملء جفوننا. إن "التسحيج" بالنسبة لي هو وفاءٌ مقدس للخبز والملح الذي نتقاسمه على هذه الأرض الطيبة، وهو امتنانٌ صلب للأمن الذي يحيط بنا، وهو رفضٌ قاطع لكل أشكال الفتنة التي يحاول البعض تصديرها لنا تحت مسميات حقوقية أو سياسية براقة لا تخدم إلا أجندات الهدم والخراب.
نعم، أنا "سحيج" لهذا التراب الذي احتضن أجدادي، و"سحيج" لهذه القيادة الهاشمية الحكيمة التي كانت وما زالت صمام الأمان ورمز الحكمة في إقليم يغلي بالاضطرابات. وإذا كان الانتماء الصادق والولاء العميق يزعج البعض ويسمونه عنصرية أو تسحيجاً، فليسموه ما شاؤوا، فصوت المعاول التي تبني وتعمر، سيظل دائماً وأبداً أقوى وأبقى من ضجيج الألسنة التي لا تتقن إلا الهدم والتباكي خلف الشاشات. عاش الأردن حراً، عزيزاً، ومنيعاً بكل أصوله ومنابته.