الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران: تأملات متأنية!
أ.د أحمد بطَّاح
16-03-2026 12:36 PM
إنّ مما لا شك فيه أن الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران مُلفتة وهي ليست كغيرها من الحروب، وإذا أردنا التأشير على أهم تتميز به هذه الحرب الضروس الدائرة الآن فإنّنا يمكن أن نؤشر على ما يلي:
أولاً: أنّ هذه الحرب تفتقر إلى الشرعية "legitimacy" فهي مخالفة للقانون الدولي الذي يُجيز شن الحرب لغايات دفاعية فقط أو بتكليف من الأمم المتحدة وفق الفصل السابع، أما هذه الحرب فقد بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل بغير تفويض من الأمم المتحدة وبأهداف تخدم إسرائيل بشكل خاص والولايات المتحدة بشكل عام وهي القضاء على المشروع النووي الإيراني، وإنهاء البرنامج الصاروخي، وتحجيم النفوذ الإيراني في الإقليم، وقد سارع كثيرون من المسؤولين حول العالم فضلاً عن القانونيين الثقاة المحايدين إلى أنّ هذه الحرب غير شرعية وأنها مخالفة للقانون الدولي.
ثانياً: أنّ هذه الحرب ليست لها أهداف واضحة ففضلاً عن الأهداف العامة التي ادّعتها كل من الولايات المتحدة وإسرائيل والمُشار إليها في النقطة السابقة زعمت الولايات المتحدة وإسرائيل أنهما تريدان تغيير النظام الإيراني وفي أحيان أخرى تريدان تغيير "السلوك السياسي الإيراني"، والواقع أن هذه الأهداف المزعومة كانت تتغير في كل يوم تقريباً وبخاصة على لسان الرئيس الأمريكي ترامب وأركان إدارته ناهيك عما ورد على لسان رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو ووزرائه، ولعلّ هذا هو الذي يعقّد مسألة انتهاء الحرب، فإذا كانت الأهداف غير واضحة أو متغيرة باستمرار فلا أحد يستطيع أن يقول إنّ الأهداف قد تحققت وبهذا تنتهي الحرب!
ثالثاً: إنّ هذه الحرب تمّ التخطيط لها في الواقع لمصلحة بلد واحد هو إسرائيل وبالضد من مصالح بقية دول العالم تقريباً، فالدولة المعنية أساساً بتدمير برامج إيران النووية والصاروخية والقضاء على أذرعها (حلفائها إن شئت) في المنطقة هي إسرائيل وذلك لكي تتسيّد هي في الإقليم ولا تنازعها أيّة قوة أخرى (كمصر وتركيا والسعودية وغيرها)، وبخاصة أنّ إسرائيل لديها سلاح نووي (رغم أنها لا تعترف رسمياً بذلك)، وتحظى بدعم غربي (وبالذات أمريكي) غير مسبوق وغير محدود، وإذا قارنا حالة إسرائيل المستفيدة من هذه الحرب والدول الأخرى المتضرّرة منها في العالم (وبالتحديد من الانعكاسات الاقتصادية المعروفة) فإنّنا نتبين بوضوح أنّ هذه الحرب تنتفع منها دولة واحدة بصورة واضحة هي إسرائيل بينما تتضرر منها دول كثيرة على مستوى العالم!
رابعاً: أنّ هذه الحرب هي "حرب عالمية مصغرة" من حيث البعد الاقتصادي، فما إن مضى أسبوع عليها حتى ارتفع سعر برميل النفط إلى (100) دولار، وزادت أسعار الغاز في أوروبا أكثر من (60%)، وحتى في الولايات المتحدة زادت أسعار البنزين أكثر من (20%)، وإذا استمر الحال على هذا المنوال وإذا تم إغلاق مضيق هرمز (تمر منه 20% من مصادر الطاقة للعالم)، ومضيق باب المندب بفعل التدخل المتوقع لأنصار الله الحوثيين فإنّ العالم سوف يواجه أزمة اقتصادية حقيقية وبالذات دول العالم الثالث التي تعاني من مشكلات اقتصادية أصلاً ناهيك عن تضرر الدول الصناعية الكبرى كالصين واليابان وكوريا الجنوبية التي تستورد مصادر الطاقة عبر هذه المنطقة الحيوية للعالم أجمع، وفي المحصلة فلعلّنا لا نبالغ إذا قلنا بأنّ هذه الحرب هي حرب عالمية مصغرة تأثرت بها وسوف تتأثر بها معظم دول العالم بشكل أو بآخر وبدرجة أو بأخرى وبخاصة إذا استمرت لمدة طويلة.
خامساً: أنّ هذه الحرب عمقت الشرخ بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، فإسبانيا منعت الولايات المتحدة من استخدام قواعدها وموانئها، وبريطانيا (الحليف التاريخي الوثيق للولايات المتحدة) سمحت (أي للولايات المتحدة) باستخدام قواعدها "ولغايات دفاعية"، والواقع هو أن أوروبا أدركت أنها سوف تدفع ثمناً اقتصادياً غالياً بسبب هذه الحرب غير المشروعة وغير المبررة، ولذا فلم تكن متحمسة لها وسار بعض دولها خلف ترامب مجاملاً أو مرغماً.
سدساً: تسببت هذه الحرب بأضرار بليغة (وبالذات على المستوى الاقتصادي) لدول الخليج العربي التي حاولت بكل السبل تفاديها، وقد تعرضت هذه الدول لهجمات إيرانية كثيرة -وإن بأسلوب منضبط نسبياً- أوضح حَرَج موقفها فهي لم تستفد من الحماية الأمريكية بما ينجيها من آثار الحرب من جهة، ولم تتمكن من الإفادة من العلاقات الاقتصادية الوثيقة مع جارتها التاريخية وهي إيران، والواقع أن هذه الحرب يجب أن تُدرس بدقة من قبل أصحاب القرار وواضعي الاستراتيجية في منطقة الخليج العربي لاعتماد مقاربات أخرى تحمي دولهم وتبقي على حالة السلام والازدهار فيها.
سابعاً: طبّقت إيران في هذه الحرب أسلوب الحرب "غير المتناظرة" حيث أدركت أنها لا تستطيع مطاولة القوة الأمريكية التي لا تُضاهى والتفوق الجوي الإسرائيلي الساحق، لذا فقد لجأت إلى الإفادة من عامل الوقت (ترامب يريد حرباً سريعة حاسمة)، وإلى رفع كُلف الحرب ليس فقط على الولايات المتحدة وإسرائيل بل على حلفاء الولايات المتحدة والعالم أجمع، وذلك فضلاً عن استنفارها لأذرعها في المنطقة كحزب الله اللبناني والفصائل العراقية الموالية لها.
إنّ هذه الحرب تستعر الآن وتلقي بشظاياها ليس فقط على إيران وإسرائيل ولبنان بل حتى على دول أخرى حول العالم لا ذنب لها (الأردن، العراق، تركيا، أذربيجان، قبرص)، ولذا فإنّ الولايات المتحدة كدولة كبرى وذات دور أساسي في الحفاظ على السلم العالمي مسؤولة عن لجم إسرائيل ووقف هذه الحرب وبخاصة أن الشعب الأمريكي نفسه وفقاً لاستطلاعات لا يؤيد هذه الحرب (أكثر من 65% من الأمريكيين). إنّ من السهولة بمكان بدء الحروب، ولكن من الصعوبة بمكان إنهاؤها، ومع ذلك فإنّ الأمل يظل قائماً بوضع حد لهذه الحرب ولا حياة مع اليأس!