حين يشتدّ الغبار… يظهر وجه الوطن الحقيقي
د. عبدالله الشرعة
24-03-2026 01:36 AM
في الأوقات العادية، يبدو حبّ الوطن شعورًا هادئًا، يسكن التفاصيل الصغيرة: في صباحٍ يبدأ على رائحة القهوة، في لهجةٍ مألوفة، في شارعٍ يعرف خطانا قبل أن نعرفه، لكن حين تعصف الرياح ويتكاثف الغبار، يتحوّل هذا الحب إلى موقف… إلى اصطفافٍ واضح لا يحتمل التردد.
الأردن اليوم ليس مجرد جغرافيا، بل حكاية صمود تُروى كل يوم، وفي ظل الظروف الراهنة، ومع تصاعد الأصوات والتشكيك ومحاولات بث الفرقة، يبرز سؤال واحد: من نحن عندما يُختبر انتماؤنا؟ والجواب لا يُكتب بالكلمات، بل يُرى في الأفعال.
الوطن ليس فكرة نختلف حولها، بل مظلة تجمعنا مهما اختلفنا، هو ذلك الشعور الذي يجعلنا نختلف داخل البيت، لكننا نقف صفًا واحدًا عندما يُطرق الباب من الخارج ، وفي هذه اللحظات تحديدًا، يصبح الالتفاف حول الوطن وقيادته وجيشه وشعبه ليس خيارًا، بل مسؤولية أخلاقية لا تقبل التأجيل.
الجيش ليس مجرد مؤسسة، بل نبض يسري في عروق الوطن ، والقيادة ليست عنوانًا سياسيًا، بل بوصلة توازن وسط بحرٍ مضطرب ، أما الشعب، فهو الحكاية كلها… هو من يصمد، ومن يواسي، ومن يعيد ترميم المعنويات كلما حاولت الشائعات أن تنال منها.
ما يؤلم في الأزمات ليس فقط الخطر الخارجي، بل تلك الشقوق الصغيرة التي يحاول البعض توسيعها من الداخل ، ان التخوين سلاحٌ سهل، لكنه مدمّر ، و يختصر الإنسان في لحظة، ويختزل الوطن في رأي، و الحقيقة أن الوطن أكبر من ذلك بكثير… أكبر من خلاف، وأوسع من رأي، وأعمق من ضجيج عابر.
في هذه اللحظات نحن بحاجة إلى شيء بسيط و كبير في آنٍ واحد: أن نتذكر أننا ننتمي لذات الوطن، وأن مصيرنا مشترك، وأن قوتنا ليست في تطابقنا، بل في وحدتنا رغم اختلافنا.
الأردن لم يكن يومًا وطنًا عابرًا في ذاكرة أبنائه، بل كان دائمًا حالة استثنائية من التماسك، تُختبر وتنجح ، وفي كل مرة يُظنّ أن الريح أقوى، يثبت الأردنيون أن الجذور أعمق.
ربما لا نستطيع تغيير ما يدور حولنا، لكننا لدينا القدرة بإذن الله تعالى على أن نختار كيف نكون: هل نكون صدىً للفوضى؟ أم صوتًا للعقل؟ هل نكون معول هدم؟ أم جدار حماية؟
حين يشتدّ الغبار، لا يُرى الطريق بوضوح… لكن تُرى القلوب على حقيقتها، وهناك فقط هناك، يظهر وجه الوطن الحقيقي: متماسكًا، هادئًا، واثقًا… لا ينكسر.