وقفة مع جيفري ساكس والحرب الاميركية الإسرائيلية على إيران
السفير د. موفق العجلوني
24-03-2026 11:41 AM
جيفري ساكس يكشِف المستور: نسيرُ نحو حربٍ عالميّةٍ كارثيّةٍ بسبب شخصيْن نرجسييْن خبيثيْن نتنياهو وترامب.. أمريكا وإسرائيل ترتكبان عدوانًا سافرًا وهذه هي الفاشيّة الأكثر وقاحةً.. إسرائيل كعادتها ترتكب الإبادة الجماعيّة.
في زمنٍ تتشابك فيه الروايات وتختلط فيه الحقائق بالدعاية، يبرز طرح الاقتصادي الأمريكي Jeffrey Sachs كواحد من أكثر القراءات جرأة في تفسير ما يجري في الشرق الأوسط. فالرجل لا يرى أن الصراع الدائر مرتبط بالملف النووي الإيراني بقدر ما هو امتداد لمشروع أوسع تقوده كل من الولايات المتحدة وإسرائيل لفرض الهيمنة على المنطقة وإعادة تشكيل النظام الدولي.
هذه الرؤية تضعنا أمام سؤال جوهري: هل ما نشهده هو بالفعل حرب لمنع انتشار السلاح النووي، أم أنه صراع على النفوذ والسيطرة على الموارد ومفاصل الجغرافيا السياسية؟ وفق هذا الطرح، فإن الإجابة تميل بوضوح نحو الخيار الثاني. فالشرق الأوسط، بما يمتلكه من ثروات نفطية وموقع استراتيجي حاسم، لم يكن يومًا خارج حسابات القوى الكبرى، بل كان دائمًا في قلبها.
ضمن هذا السياق، تُقدَّم إيران ليس كقوة تسعى للحرب، بل كدولة تحاول الدفاع عن نفسها في مواجهة ضغوط متصاعدة. فسياسات الردع التي تنتهجها، بما في ذلك تطوير قدراتها العسكرية، تُفسَّر هنا على أنها استجابة لبيئة إقليمية ودولية معادية، وليست مشروعًا توسعيًا بحد ذاته. بل إن هذا الطرح يذهب أبعد من ذلك، ليؤكد أن طهران قد لا تسعى أصلًا إلى امتلاك سلاح نووي إلا إذا فُرض عليها ذلك كخيار أخير لضمان بقائها.
في المقابل، تُحمَّل السياسات المشتركة لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية أساسية في تأجيج الصراع. فمحاولات تغيير الأنظمة، والتدخلات العسكرية المباشرة وغير المباشرة، لم تؤدِّ إلا إلى مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار. والأسوأ من ذلك، أنها لم تحقق أهدافها الاستراتيجية، بل ساهمت في خلق بيئة أكثر تعقيدًا وخطورة.
ومن الناحية العسكرية، تبدو الصورة أكثر وضوحًا: لا نصر حاسم في الأفق. فالحروب الحديثة، خاصة في ظل استخدام الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة مقابل أنظمة دفاعية باهظة، تحوّلت إلى معادلة استنزاف طويلة. وهذا يعني أن استمرار الحرب لن يؤدي إلا إلى مزيد من الدمار، دون تحقيق نتائج سياسية حقيقية.
لكن الخطر لا يتوقف عند حدود الميدان العسكري. فالتصعيد المستمر يهدد شرايين الطاقة العالمية، وعلى رأسها مضيق هرمز، ما يفتح الباب أمام أزمة اقتصادية عالمية قد تتجاوز آثارها حدود المنطقة. وهنا، يصبح الصراع تهديدًا دوليًا لا إقليميًا فحسب.
أمام هذا الواقع، يطرح هذا التيار الفكري بديلًا واضحًا: الحل لا يأتي من الخارج، بل من داخل المنطقة نفسها. ويبدأ ذلك بتفاهم حقيقي بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي، يقوم على مبدأ الأمن المشترك وعدم الاعتداء. فاستمرار الاعتماد على القواعد العسكرية الأجنبية لم يجلب الاستقرار، بل عمّق التوتر وجعل المنطقة ساحة لصراعات الآخرين.
كما أن على القوى الإقليمية أن تدرك أن الانجرار إلى حرب تخدم مصالح خارجية هو أخطر ما يمكن أن تواجهه المنطقة اليوم. المطلوب هو بناء منظومة أمنية إقليمية مستقلة، قادرة على حماية المصالح المشتركة بعيدًا عن الاستقطابات الدولية.
وفي هذا الإطار، لا يمكن تجاهل دور القوى الدولية الصاعدة مثل الصين وروسيا والهند، خصوصًا ضمن إطار بريكس، حيث يمكن لهذه القوى أن تلعب دورًا في إعادة التوازن للنظام الدولي والضغط نحو إنهاء الصراعات بدل تأجيجها.
غير أن أي حديث عن سلام حقيقي في الشرق الأوسط يظل ناقصًا ما لم يُعالج جوهر الصراع التاريخي في المنطقة، وهو القضية الفلسطينية. فلا استقرار دائم دون حل عادل يضمن إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967، تعيش جنبًا إلى جنب مع إسرائيل في إطار من الأمن والسلام المتبادل. إن تجاهل هذا الملف أو محاولة القفز فوقه لم يؤدِّ في السابق إلا إلى انفجارات متكررة، ولن يؤدي في المستقبل إلا إلى النتيجة ذاتها.
إن الطريق إلى إنهاء الحرب واضح، حتى وإن كان صعبًا: وقف العدوان، والعودة إلى طاولة المفاوضات، والاعتراف بحقوق الشعوب في الأمن والسيادة. وعلى المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤوليته في هذا السياق، وأن يرفع صوته بوضوح في وجه السياسات التي تدفع العالم نحو مزيد من الفوضى.
في النهاية، لا يبدو أن الولايات المتحدة أو إسرائيل قادرتان على تحقيق نصر حاسم أو تغيير الأنظمة كما يُخطط له. بل إن الاستمرار في هذا المسار قد يؤدي إلى نتائج عكسية تمامًا، ويُسرّع من تشكّل نظام دولي جديد أقل خضوعًا للهيمنة التقليدية.
الرسالة التي يجب أن تصل اليوم هي بسيطة لكنها حاسمة: كفى للحروب. كفى لسياسات فرض الأمر الواقع بالقوة. إن أمن المنطقة لا يُبنى بالصواريخ، بل بالتفاهم، ولا يتحقق بالإقصاء، بل بالاعتراف المتبادل. وما لم يتم استيعاب هذه الحقيقة، سيبقى الشرق الأوسط يدفع ثمن صراعات لا تنتهي، بينما يظل السلام الممكن مؤجلًا .
في الخام، تتبلور الصورة بشكل أوضح: لا يمكن فهم ما يحدث بمعزل عن السياق الأوسع للنظام الدولي، ولا يمكن أيضًا اختزال الأزمة في طرف واحد دون النظر إلى شبكة المصالح والتحالفات التي تغذيها. ومع ذلك، فإن الرسالة التي حاول ساكس إيصالها تبقى صادمة للبعض، ومقنعة لآخرين: استمرار النهج الحالي لن يقود إلى استقرار، بل إلى مزيد من التصعيد.
في المحصلة، يخرج المتابع بانطباع واضح: المنطقة تقف عند مفترق طرق. إما الاستمرار في دوامة الصراع المفتوح، أو التوجه نحو تسويات سياسية شاملة، تبدأ بوقف التصعيد، ولا تنتهي إلا بإرساء أسس سلام عادل، وفي مقدمتها حل القضية الفلسطينية على أساس حدود عام 1967.
ذلك أن السلام الحقيقي، كما يوحي هذا الحوار، لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى بالاعتراف المتبادل، وبإرادة سياسية تتجاوز منطق الغلبة إلى منطق الشراكة. يبقى السؤال مفتوحًا: هل يملك العالم الشجاعة لتغيير المسار قبل فوات الأوان؟ هنا يرى ساكس أن ما يجري ليس صراعًا تقليديًا، بل نتيجة مباشرة لسياسات الهيمنة التي تقودها الولايات المتحدة بالتنسيق مع إسرائيل.
* المدير العام - مركز فرح الدولي للدراسات والأبحاث الاستراتيجية
muwaffaq@ajlouni.me