facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




التمدّن غير التحضّر


القس سامر عازر
24-03-2026 12:21 PM

كثيرًا ما نخلط بين مفهومي التمدّن والتحضّر، فنظن أنّ الانتقال من نمط العيش البدوي أو الريفي إلى نمط العيش في المدينة هو بحدّ ذاته انتقال إلى التحضّر. غير أنّ هذا الفهم يبقى سطحيًا، لأنّه يركّز على الشكل الخارجي دون أن ينفذ إلى الجوهر العميق للحياة الإنسانية.

فالتمدّن، في جوهره، هو انتقال مكاني ونمطي؛ هو السكن في المدينة، والعيش ضمن بنيتها العمرانية، والاستفادة من خدماتها ومرافقها. هو الوجه الخارجي للحياة الحضرية: أبنية شاهقة، شوارع منظّمة، مؤسسات حديثة، ومظاهر توحي بالتقدّم. لكنه، في حقيقته، لا يتجاوز كونه إطارًا ماديًا قد يحتضن الإنسان دون أن يغيّره.

أما التحضّر، فهو أمر أعمق بكثير. هو تحوّل في المنظومة الثقافية والسلوكية والقيمية التي تنتجها المدينة. هو إعادة تشكيل للعقل الإنساني ليصبح عقلًا مدنيًا، يقوم على التخطيط، واحترام الوقت، وتنظيم العلاقات وفق قواعد واضحة. في التحضّر، تتحول العلاقات من قرابية تقوم على العصبية والانتماء الضيق، إلى علاقات تعاقدية تقوم على الحقوق والواجبات. تتوسع الفردية بمعناها الإيجابي، حيث يُصبح الإنسان مسؤولًا عن ذاته وخياراته، ويعلو القانون على العرف، لا ليُلغي القيم، بل ليُنظّمها ويؤطّرها.

وقد عبّر عالم الاجتماع Louis Wirth عن هذا المعنى بدقة حين اعتبر أن المدينة ليست مجرد مكان للعيش، بل “أسلوب حياة”. فالحياة الحضرية، بحسبه، تُنتج نمطًا خاصًا من التفكير والسلوك والعلاقات، يختلف جذريًا عمّا هو سائد في المجتمعات التقليدية.

ولم يكن هذا الفهم غريبًا عن تراثنا، فقد سبق ابن خلدون إلى الإشارة إلى أن “الحضارة هي غاية العمران”، مدركًا أن التحضّر ليس مجرد إقامة خلف الأسوار، بل هو ثمرة ارتقاء ثقافي وروحي وسلوكي. فالعمران عنده لا يكتمل إلا حين يُثمر حضارة، والحضارة لا تُقاس بالحجارة بل بالإنسان.

من هنا، يمكن القول إنّ مجتمعًا ما قد يتمدّن دون أن يتحضّر. قد يسكن الناس المدن، لكنهم يحملون معهم أنماط التفكير القديمة ذاتها؛ فيغلب العرف على القانون، وتبقى العلاقات قائمة على المحسوبيات، ويُهمل الوقت، ويضعف الالتزام بالمسؤولية العامة. فتتحول المدينة، في هذه الحالة، إلى مجرد تجمّع بشري كبير، لا إلى فضاء حضاري حي.

التحضّر إذًا هو التحدّي الحقيقي، لأنه يتطلب تغييرًا في الداخل لا في الخارج، في الفكر لا في الشكل، في القيم لا في المظاهر. وهو مسار طويل، يحتاج إلى تربية، وتعليم، وثقافة، ومؤسسات عادلة، قبل أن يحتاج إلى إسمنت وحديد.

إنّ المدينة لا تصنع الإنسان المتحضّر تلقائيًا، بل الإنسان هو من يمنح المدينة معناها الحضاري. وبين التمدّن والتحضّر مسافة، لا تُختصر بالانتقال من الريف إلى المدينة، بل تُجتاز بالارتقاء من السلوك العفوي إلى الوعي المسؤول، وإلى العيش المنظّم بقيم العدالة والاحترام.

وهنا يكمن السؤال الأهم: هل نكتفي بأن نكون متمدّنين، أم نسعى حقًا لأن نكون متحضّرين؟





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :