facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




من الإحباط إلى الأمل: ملاحظات على الجهد التوحيدي للتيار المدني والديمقراطي الاجتماعي


د. تيسير المشارقة
26-03-2026 10:14 PM

رغم انشغالي بالشأن الأكاديمي والثقافي عموما ، لم أنقطع يوماً عن متابعة تجربة العمل الحزبي اليساري والديمقراطي في الأردن. بل إنني كنت جزءاً من بعض تجاربه، وقريباً من معظم قواه، من التيار الديمقراطي الاجتماعي إلى التيار المدني، وصولاً إلى دوائر أوسع من اليسار الأردني. هذه المتابعة الطويلة، التي امتدت لعقود، لم تُفضِ بي إلى التفاؤل، بل إلى حالة من الإحباط العميق، كادت تصل إلى حد اليأس من جدوى العمل السياسي، بل وحتى الاجتماعي.

لم يكن هذا الإحباط نابعاً من غياب النوايا الحسنة أو ضعف الالتزام، بل من خلل أعمق: خلل في النموذج ذاته. فقد ظل العمل السياسي الديمقراطي في الأردن، كما في كثير من السياقات العربية، أسير أدوات تقليدية لم تعد قادرة على إنتاج أثر حقيقي. تنظيمات مغلقة، نخبوية في خطابها، محدودة الامتداد في المجتمع، وموسمية في حضورها. أحزاب تتكاثر ثم تنقسم وتتشظى دون أن تتجذر او قبل ان تولد، وخطابات تتكرر دون أن تُحدث فرقاً، ومشاريع سياسية تنشغل بذاتها أكثر مما تنشغل بالناس.

لهذا، لم يكن مستغرباً أن تتراجع الثقة العامة بالعمل الحزبي، وأن تتسع الفجوة بين السياسة والمجتمع، وأن يجد كثيرون من أبناء الطبقة الوسطى والشباب أنفسهم خارج أي تمثيل سياسي فعلي.

لكن، وعلى غير المتوقع، جاء حدث جديد أعاد إليّ شيئاً من الأمل الذي كاد ينطفئ: الحوارات الجادة الجارية بين قوى التيارات المدنية والديمقراطية الاجتماعية، وانخراط عدد كبير من المستقلين التقدميين في مسار توحيدي يسعى إلى إعادة بناء العمل السياسي من جذوره.

ما الذي يميّز هذا المسار ويجعله مختلفاً عمّا سبقه؟

أولاً، السيرة الشخصية والنضالية لغالبية المنخرطين فيه. فنحن أمام مجموعة من الفاعلين الذين لم تُسجّل عليهم شبهات فساد أو انتهازية أو استعلاء على المجتمع، بل راكموا خبرة طويلة في العمل العام، ودفعوا أثماناً شخصية في سبيل الدفاع عن قيم الديمقراطية والعدالة.

ثانياً، الوضوح النقدي تجاه الماضي. إذ يعلن هذا التيار صراحة أنه لا يسعى إلى إعادة إنتاج تجارب ثبت فشلها، بل إلى بناء نموذج مختلف، ينطلق من القاعدة إلى القمة، لا من النخبة إلى المجتمع. نموذج يعيد ربط السياسة بالحياة اليومية للناس: في الحي، في القرية، في المدينة، وفي المخيم.

ثالثاً، إدراك الأولويات. فالمجموعة المؤسسة تعلن بوضوح أن هدفها في هذه المرحلة ليس المشاركة في السلطة، بل بناء قاعدة اجتماعية حقيقية. وهذا بحد ذاته تحول نوعي، ينقل العمل السياسي من منطق "الاستعجال على النتائج" إلى منطق التراكم طويل النفس.

رابعاً، طبيعة الإطار المقترح. التيار الجديد لا يطرح نفسه كحزب تقليدي مكتمل، بل كمظلّة تنظيمية مرنة، تُنسّق بين الحراكات القاعدية المحلية، وتوفّر إطاراً قانونياً للعمل، دون أن تدّعي احتكار التمثيل أو امتلاك برنامج شمولي مغلق. بل يكتفي بمجموعة مبادئ بسيطة وواضحة: المواطنة، المساواة، العدالة، وأخلاقيات العمل العام.

هذه العناصر لا يمكن فهمها بمعزل عن التحول الأوسع الذي يشهده العالم، حيث لم تعد السياسة تُدار فقط من أعلى الهرم، بل باتت تُبنى داخل "مجتمع الشبكات". في هذا العالم الجديد، لم تعد القوة حكراً على التنظيم المركزي، بل أصبحت نتاج القدرة على الانتشار داخل المجتمع، وبناء الثقة، وربط المبادرات الصغيرة ببعضها البعض في مسار تراكمي طويل.

لقد أثبتت التجارب العربية أن الرهان على "اللحظة السياسية"، أو على النخبة، أو على القفز السريع نحو السلطة، لم يُنتج إلا كيانات هشة، سرعان ما تنكشف أمام أول اختبار. في المقابل، تُظهر الخبرات المعاصرة أن القوة السياسية الحقيقية تُبنى من الأسفل: من الأحياء، من النقابات، من المبادرات المحلية، ومن العمل اليومي المتواصل.

وفي سياق أردني يتسم بحضور قوي للمال السياسي، وبوجود تنظيمات مغلقة متماسكة، لا يمكن لأي مشروع ديمقراطي جديد أن ينجح بالأدوات القديمة أو الحملات الموسمية. الطريق الوحيد الممكن هو بناء تنظيم قاعدي مفتوح، متجذر اجتماعياً، يراكم الثقة ويعيد تعريف السياسة كفعل يومي، لا كحدث عابر.

من هنا، أجد نفسي اليوم، بعد سنوات من الشك، أميل بوضوح إلى تأييد الخطوات التوحيدية الجارية بين قوى الديمقراطية الاجتماعية في الأردن. ليس لأنها تملك كل الإجابات، بل لأنها تطرح الأسئلة الصحيحة، وتسير في اتجاه مختلف عن المسارات التي أثبتت محدوديتها.

إن نجاح هذا المسار ليس مضموناً، لكنه، في تقديري، يمثل الفرصة الأكثر جدية منذ سنوات لإعادة تأسيس العمل السياسي الديمقراطي الاجتماعي في الأردن على أسس جديدة:
من القاعدة إلى القمة،
من النخبة إلى المجتمع،
ومن الخطاب إلى الفعل.

هذا الطوح للعقلانيين من نخب العمل الاجتماعي وأصحاب النوايا النظيفة مثل الصديق المهندس عدنان السواعير في التيار المدني .

في النهاية، لا يمكن للسياسة أن تستعيد معناها ما لم تعد إلى الناس، ولا يمكن للديمقراطية أن تُبنى ما لم تصبح جزءاً من الحياة اليومية، لا مجرد شعار. وربما يكون هذا المسار الجديد، بكل ما يحمله من تواضع وطموح، هو بداية الطريق.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :