الامن القومي العربي في ظل التحولات الإقليمية بين تشخيص المخاطر ومتطلبات الاستجابة
السفير د. موفق العجلوني
27-03-2026 11:28 PM
تشهد منطقة الشرق الأوسط في المرحلة الراهنة تحولات متسارعة تمس طبيعة التوازنات الإقليمية وأدوات التأثير فيها، في ظل تغيرات ملحوظة في سياسات عدد من الفاعلين الرئيسيين. ويأتي النقاش حول الأمن القومي العربي في هذا السياق بوصفه ضرورة استراتيجية، تتجاوز الطرح النظري إلى البحث في قدرة النظام العربي على التكيّف مع بيئة دولية وإقليمية أكثر تعقيدًا.
من الواضح أن الإقليم يمر بمرحلة إعادة تشكّل، تتداخل فيها الأبعاد العسكرية والسياسية والاقتصادية، وتتصاعد فيها أنماط جديدة من إدارة الصراعات. وقد انعكس ذلك على سلوك قوى إقليمية ودولية، حيث برزت تحولات في أدوات النفوذ، وانتقال متزايد نحو توظيف القوة الصلبة، أو التلويح بها، كوسيلة لفرض الوقائع وتحقيق المصالح.
في هذا الإطار، يبرز السلوك الإيراني بوصفه أحد العناصر المؤثرة في معادلة الأمن الإقليمي، حيث اتسم خلال السنوات الأخيرة بتوسيع نطاق الحضور في عدد من الساحات، مع تباين في أدوات التأثير بين العمل غير المباشر والرسائل العسكرية. إلا أن قراءة هذا السلوك تظل بحاجة إلى مقاربة متوازنة تأخذ بعين الاعتبار تعددية أدواته، واختلاف أنماطه من ساحة إلى أخرى، إضافة إلى التداخل بين البعد الأيديولوجي والاعتبارات القومية والاستراتيجية.
أما على صعيد السياسة الأمريكية، فقد شهدت بدورها تحولات ملحوظة في أولوياتها وأدواتها، مع تركيز أكبر على المصالح المباشرة، وإعادة تقييم كلفة الانخراط الخارجي. ومع ذلك، فإن فهم هذا التحول يتطلب النظر إليه ضمن إطار أوسع يشمل دور المؤسسات، واستمرارية التحالفات، وليس فقط من زاوية القرارات الظرفية أو الأساليب التفاوضية.
وفيما يتعلق بإسرائيل، فإن المرحلة الأخيرة أظهرت ميلًا متزايدًا نحو استخدام القوة العسكرية كأداة رئيسية في إدارة التحديات الأمنية، بالتوازي مع استمرار الجدل الداخلي حول حدود هذه السياسات وأهدافها الاستراتيجية. وهو ما يعكس تعقيدًا في بنية القرار، بين الاعتبارات الأمنية، والسياسية، والأيديولوجية.
في مقابل هذه التحولات، يبرز التحدي الأهم في مدى قدرة النظام العربي على الاستجابة الفاعلة. إذ تشير التجارب السابقة إلى محدودية تأثير الأطر التقليدية للأمن الجماعي، في ظل تباين أولويات الدول، واختلاف تقديرات التهديد، وضعف آليات التنسيق المؤسسي.
من هنا، تبرز الحاجة إلى مقاربة جديدة للأمن القومي العربي، تقوم على أسس أكثر واقعية ومرونة، وتستند إلى بناء أدوات مشتركة قابلة للتطبيق. ولا يقتصر ذلك على البعد العسكري، رغم أهميته، بل يمتد ليشمل تعزيز التكامل السياسي، وتطوير آليات اتخاذ القرار، وبناء قدرات استراتيجية مشتركة في مجالات متعددة.
كما أن تطوير أي منظومة أمنية عربية فاعلة يتطلب معالجة التحديات الداخلية، بوصفها جزءًا لا يتجزأ من معادلة الأمن القومي، إذ لا يمكن فصل القدرة على مواجهة التهديدات الخارجية عن مستوى التماسك الداخلي، وكفاءة المؤسسات، والقدرة على إدارة الموارد.
إن التحولات الجارية في الإقليم لا تقتصر على إعادة توزيع النفوذ، بل تمتد إلى إعادة تعريف قواعد التفاعل بين الدول، في بيئة تميل بشكل متزايد إلى فرض الوقائع بالقوة. وفي ظل هذا الواقع، يصبح من الضروري الانتقال من مرحلة توصيف التحديات إلى مرحلة بناء الاستجابات، عبر رؤية استراتيجية عربية مشتركة، قادرة على التكيف مع المتغيرات، وحماية المصالح الحيوية في إطار من العمل الجماعي المنظم.
وفي المحصلة، فإن التحدي الذي يواجه الأمن القومي العربي اليوم لا يكمن فقط في طبيعة التهديدات، بل في القدرة على تطوير أدوات فعالة للتعامل معها، ضمن مقاربة شاملة تجمع بين الواقعية السياسية، والعمل المؤسسي، والرؤية بعيدة المدى.
وفي ختام هذا النقاش، لا بد من التأكيد أن ما سبق يندرج في إطار الحوار المهني المسؤول، الذي يهدف إلى إثراء النقاش حول قضايا تمس حاضر الأمة ومستقبلها، وليس خلافًا في المقاصد أو انتقاصًا من الجهد. فالتباين في الرأي يظل سمة صحية في العمل الفكري، خاصة حين يجمعه الاحترام وتوحده الغاية.
وإن ما اشاراليه أصحاب السعادة الزملاء السفراء: زياد المجالي ومحمد الكايد وماهر لوكاشة في كتاباتهم وتحليلاتهم ولقاءتهم مؤخراً، يعكس خبرة دبلوماسية عميقة وحرصًا صادقًا على قضايا الوطن والأمة، وهو جهد محل اعتزاز وتقدير. وفي هذا السياق، يبقى الاجتهاد أساس العمل الفكري؛ فإن أصاب المرء فله أجران، وإن أخطأ فله أجر الاجتهاد، وهي قاعدة راسخة في ثقافتنا، تعزز قيمة الحوار وتمنحه بعدًا أخلاقيًا رفيعًا.
ونحن، كسفراء تشرّفنا بالانتماء إلى مدرسة جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين، وحملنا مسؤولية تمثيل الأردن في مواقع متعددة، ندرك أن الحوار الهادف وتبادل الرأي يشكلان ركيزة أساسية في بناء المواقف وتعزيز الحضور الوطني على الساحة الدولية.
ومن هذا المنبر وكافة المنابر الإعلامية، أتوجه الى كافة الزملاء اصحاب السعادة السفراء سفراء جلالة الملك السابقين والذين يختزنون مخزوناً من الخبرة السياسية والدبلوماسية وبعد نظر حصيف من خلال مسيرتهم الدبلوماسية، ان لا يترددوا في التعبير عن آرائهم وان يدلوا بدلوهم خاصة في هذا الظرف بالذات. من هنا فان الحوار المسؤول يبقى دائمًا السبيل الأمثل لخدمة وطننا الحبيب وقضايا أمتنا.