facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الخطاب الرسمي و الرأي العام


أ.د. هيثم العقيلي المقابلة
27-03-2026 11:31 PM

في بداية القرن العشرين خرج عالم نفس يدعى بيرنز بنظرية انه يمكن توجية قرارات الافراد و الجماهير بمخاطبة برمجة عقلهم اللاواعي بديل للاقناع و التلقين. التقطت شركات السجائر الفكرة و طلبت منه اقناع النساء بالتدخين لتزيد مبيعاتها. كانت مرحلة صعود المطالبات بحقوق النساء. قام بيرنز بدفع مجموعة من النساء لتدخن في العلن في مسيرة كون السيجارة تمثل سلطة الذكور و اسمى السجاير في ايدي هؤلاء النساء مشاعل الحرية. انتشر تدخين النساء و في العلن تحدي لسلطة الرجل بالرغم انها كانت اجتماعية مرفوضة. تضاعفت مبيعات الشركات داخل و خارج امريكا.

كانت مشاعل الحرية هذه اول انطلاقة حقيقية لاستخدام برمجة اللاوعي ليشتري الناس ما لا يحتاجون و يفعلوا ما ليس مألوفا و يفكروا بطريقة تخالف المألوف. كل ذلك كان بمخاطبة دوافع اتخاذ القرارات بالعقل اللاواعي و هذه الدوافع هي المشاعر و الحاجات و الرغبات و المصالح و الغرائز. سواء وضعت القرار و بالتالي السلوك في صيغة تحدي او في صيغة الانتماء الاجتماعي لفئة معينة بالنهاية تدفع الافراد و الجماعات لقرارات و سلوك يرضي رغبات و حاجات مشاعر العقل الباطن.

من هذه الفكرة انطلقت الشركات في تسويق الماركات مخاطبة رغبة و حاجات الافراد و الجماعات بان تشعر او يتم تصورها بانها من طبقة الاثرياء فظهرت الماركات التي تكلف الكثير لتعطي الشعور بالتميز و منها نشأ ترندات الشهرة و غيرها الكثير.

لم تكن السياسة بعيدة عن هذه التطورات العلمية فاضحى الترويج لقيم مثل الديموقراطية طريقا لزعزعة مجتمعات و دول فالجماهير تتحرك معتقدة انها تحقق الحرية و لكنها لا ترى خلف تلك الشعارات ما ينتظرها من فوضى و صراعات و ضياع سيادة دول.

الاخطر من ذلك ان ظهور الدولة الوطنية تزامن معه ظهور حركات ايدولوجية استخدمت تلك المفاهيم دون دراية علمية و لكن اتقنت استعمالها. هذه الحركات استخدمت ذرائع الدين و الطائفة و الشعور القومي و مفاهيم النضال لتقويض الدولة الوطنية و زعزعة مشروعيتها و قسمت عالمنا العربي الى انماط و توصيفات مثل تقدمي و رجعي، مقاوم و عميل الى آخر هذه التوصيفات التي استخدمت فقط لنقض اساس الدولة الوطنية. هذه الحركات نفسها كانت و ما زالت تحيي الدولة الوطنية و انتماء المواطن لدولته في دول محيطة مثل تركيا و ايران و اوروبا و امريكا لكنها بالمقابل تأخذ على العربي وطنيته و تضعها في مقام التهمة.

استفادت هذه الحركات الايديولوجية من الفجوة في الخطاب بين الرسمي الذي اعتمد لغة خشبية تلقينية منطقة و الشعبي الذي تحركه العواطف و الحاجات و الرغبات و المصالح. كما ان تهميش و استبعاد النخب المثقفة الواعية من الرسمي اعطى المجال و المبرر لتنامي الخطاب الأيديولوجي المناكف لبقاء الدولة الوطنية دون خطاب فكري رزين مقابل.

في بداية هذه الحركات رفضت الدولة الوطنية جملة و تفصيلا خصوصا في الدول التي صنفتها رجعية و لكن مع انكشاف فشل هذه الحركات انتقلت الى مرحلة المطالبة بتطبيق قيم المواطنة عليها من حقوق سياسية و قانونية و لكن مع شيطنة الانتماء و الهوية الوطنية و بذلك تسللت في احيان كثيرة الى النظام التعليمي و الديني و المواقع المتقدمة داخل هذه الدول.

في كل ازمة تتعرض لها الدولة الوطنية تظهر هذه التيارات سواءا المنظم منها او المتعاطف معها الوجه الحقيقي المعادي للدولة الوطنية و استقرارها الاجتماعي فتعود لاستخدام قوتها الناعمة لتنميط ابناء و فئات المجتمع الى مقاوم و عميل بناءا على معايير تلك الحركات الفكرية مع تعمد للتقليل من انجازات الدولة الوطنية و مصالحها و موازين القوى.

ما يعزز تأثير هذه الحركات و فكرها بين الافراد و الجماعات غياب خطاب فكري قوي مقابل و غياب قدوات علمية و ثقافية لها عمق اجتماعي فيترك المجتمع للاختيار بين فكر هذه الحركات المشبوهة و خيار محدودي القدرات.

برايي ان النموذج الاسلم للحد من تأثير هذه التيارات التي تمتد جذورها في الخارج و تحمل عداءا للدولة الوطنية يبدأ باستعادة و بناء جسور الثقة بين المجتمع و المؤسسات الرسمية و هذه تحتاج التخلص من جزء كبير من الحمولة الزائدة في المسؤولين الذين يختبوا في عباءة الدولة و تكرار شعاراتها في خطاب استفزازي للشعوب يسحب من رصيد الحكومات و المؤسسات. الولاء الحقيقي للمسؤول في ان يكون عونا لحكومته و قيادته في بناء جسور الثقة و التواصل مع المواطنين و حل ما تيسر من مشاكلهم و نزع اي احتقان اجتماعي بالحكمة و التواصل و تعميق قيم المواطنة و الانتماء و الولاء خصوصا لجيل الشباب الاكثر تأثرا بالافكار الدخيلة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :