الخطاب الرسمي و الرأي العام
أ.د. هيثم العقيلي المقابلة
27-03-2026 11:31 PM
في بداية القرن العشرين خرج عالم نفس يدعى بيرنز بنظرية انه يمكن توجية قرارات الافراد و الجماهير بمخاطبة برمجة عقلهم اللاواعي بديل للاقناع و التلقين. التقطت شركات السجائر الفكرة و طلبت منه اقناع النساء بالتدخين لتزيد مبيعاتها. كانت مرحلة صعود المطالبات بحقوق النساء. قام بيرنز بدفع مجموعة من النساء لتدخن في العلن في مسيرة كون السيجارة تمثل سلطة الذكور و اسمى السجاير في ايدي هؤلاء النساء مشاعل الحرية. انتشر تدخين النساء و في العلن تحدي لسلطة الرجل بالرغم انها كانت اجتماعية مرفوضة. تضاعفت مبيعات الشركات داخل و خارج امريكا.
كانت مشاعل الحرية هذه اول انطلاقة حقيقية لاستخدام برمجة اللاوعي ليشتري الناس ما لا يحتاجون و يفعلوا ما ليس مألوفا و يفكروا بطريقة تخالف المألوف. كل ذلك كان بمخاطبة دوافع اتخاذ القرارات بالعقل اللاواعي و هذه الدوافع هي المشاعر و الحاجات و الرغبات و المصالح و الغرائز. سواء وضعت القرار و بالتالي السلوك في صيغة تحدي او في صيغة الانتماء الاجتماعي لفئة معينة بالنهاية تدفع الافراد و الجماعات لقرارات و سلوك يرضي رغبات و حاجات مشاعر العقل الباطن.
من هذه الفكرة انطلقت الشركات في تسويق الماركات مخاطبة رغبة و حاجات الافراد و الجماعات بان تشعر او يتم تصورها بانها من طبقة الاثرياء فظهرت الماركات التي تكلف الكثير لتعطي الشعور بالتميز و منها نشأ ترندات الشهرة و غيرها الكثير.
لم تكن السياسة بعيدة عن هذه التطورات العلمية فاضحى الترويج لقيم مثل الديموقراطية طريقا لزعزعة مجتمعات و دول فالجماهير تتحرك معتقدة انها تحقق الحرية و لكنها لا ترى خلف تلك الشعارات ما ينتظرها من فوضى و صراعات و ضياع سيادة دول.
الاخطر من ذلك ان ظهور الدولة الوطنية تزامن معه ظهور حركات ايدولوجية استخدمت تلك المفاهيم دون دراية علمية و لكن اتقنت استعمالها. هذه الحركات استخدمت ذرائع الدين و الطائفة و الشعور القومي و مفاهيم النضال لتقويض الدولة الوطنية و زعزعة مشروعيتها و قسمت عالمنا العربي الى انماط و توصيفات مثل تقدمي و رجعي، مقاوم و عميل الى آخر هذه التوصيفات التي استخدمت فقط لنقض اساس الدولة الوطنية. هذه الحركات نفسها كانت و ما زالت تحيي الدولة الوطنية و انتماء المواطن لدولته في دول محيطة مثل تركيا و ايران و اوروبا و امريكا لكنها بالمقابل تأخذ على العربي وطنيته و تضعها في مقام التهمة.
استفادت هذه الحركات الايديولوجية من الفجوة في الخطاب بين الرسمي الذي اعتمد لغة خشبية تلقينية منطقة و الشعبي الذي تحركه العواطف و الحاجات و الرغبات و المصالح. كما ان تهميش و استبعاد النخب المثقفة الواعية من الرسمي اعطى المجال و المبرر لتنامي الخطاب الأيديولوجي المناكف لبقاء الدولة الوطنية دون خطاب فكري رزين مقابل.
في بداية هذه الحركات رفضت الدولة الوطنية جملة و تفصيلا خصوصا في الدول التي صنفتها رجعية و لكن مع انكشاف فشل هذه الحركات انتقلت الى مرحلة المطالبة بتطبيق قيم المواطنة عليها من حقوق سياسية و قانونية و لكن مع شيطنة الانتماء و الهوية الوطنية و بذلك تسللت في احيان كثيرة الى النظام التعليمي و الديني و المواقع المتقدمة داخل هذه الدول.
في كل ازمة تتعرض لها الدولة الوطنية تظهر هذه التيارات سواءا المنظم منها او المتعاطف معها الوجه الحقيقي المعادي للدولة الوطنية و استقرارها الاجتماعي فتعود لاستخدام قوتها الناعمة لتنميط ابناء و فئات المجتمع الى مقاوم و عميل بناءا على معايير تلك الحركات الفكرية مع تعمد للتقليل من انجازات الدولة الوطنية و مصالحها و موازين القوى.
ما يعزز تأثير هذه الحركات و فكرها بين الافراد و الجماعات غياب خطاب فكري قوي مقابل و غياب قدوات علمية و ثقافية لها عمق اجتماعي فيترك المجتمع للاختيار بين فكر هذه الحركات المشبوهة و خيار محدودي القدرات.
برايي ان النموذج الاسلم للحد من تأثير هذه التيارات التي تمتد جذورها في الخارج و تحمل عداءا للدولة الوطنية يبدأ باستعادة و بناء جسور الثقة بين المجتمع و المؤسسات الرسمية و هذه تحتاج التخلص من جزء كبير من الحمولة الزائدة في المسؤولين الذين يختبوا في عباءة الدولة و تكرار شعاراتها في خطاب استفزازي للشعوب يسحب من رصيد الحكومات و المؤسسات. الولاء الحقيقي للمسؤول في ان يكون عونا لحكومته و قيادته في بناء جسور الثقة و التواصل مع المواطنين و حل ما تيسر من مشاكلهم و نزع اي احتقان اجتماعي بالحكمة و التواصل و تعميق قيم المواطنة و الانتماء و الولاء خصوصا لجيل الشباب الاكثر تأثرا بالافكار الدخيلة.