في ظل الهيمنة والفوضى: من يدفع ثمن التصعيد في الشرق الأوسط
السفير د. موفق العجلوني
29-03-2026 09:25 AM
تعود التساؤلات بقوة حول طبيعة الدور الأمريكي وحدود التزامه بالقانون الدولي، خاصة في ظل السياسات التي ارتبطت بإدارة الرئيس الاميركي دونالد ترامب والتقاطع الواضح مع أجندات الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو .
لقد شكّلت العمليات العسكرية التي استهدفت إيران، بما في ذلك اغتيال شخصيات سياسية وعسكرية، منعطفًا خطيرًا في قواعد الاشتباك الدولي. فهذه الأفعال، التي تُبرَّر أحيانًا تحت عنوان “الأمن القومي” أو “الردع”، تثير إشكاليات قانونية وأخلاقية عميقة، خصوصًا عندما تمتد آثارها إلى المدنيين الأبرياء. و إن الحديث عن سقوط عشرات الضحايا من الطالبات في مدرسة بطهران – لا يمكن فصله عن سياق أوسع من استخدام القوة الذي يتجاوز مبدأ التناسب، ويضع علامات استفهام حول احترام قواعد القانون الدولي الإنساني.
على المستوى السياسي، يبرز نقد متزايد يرى أن هذا التصعيد لا يخدم بالضرورة المصالح الأمريكية المباشرة، بل يضعها في موقع المنخرط في صراعات إقليمية معقدة، قد لا تكون لها نهاية واضحة. فبدل أن تعزز واشنطن استقرار حلفائها، نجد أن دول الخليج، إلى جانب الأردن، باتت عرضة لتداعيات أمنية خطيرة، نتيجة احتمالات الرد الإيراني أو اتساع رقعة النزاع.
في هذا السياق، تتعزز فرضية أن بعض القرارات الأمريكية لم تكن معزولة عن الحسابات السياسية الداخلية في إسرائيل. إذ يرى منتقدون أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي واجه تحديات سياسية وقضائية داخلية، قد وجد في التصعيد الخارجي وسيلة لإعادة ترتيب المشهد الداخلي، وربما تأجيل استحقاقات حساسة. هذا الطرح يذهب أبعد من ذلك، ليشير إلى أن التأثير الإسرائيلي على القرار الأمريكي بلغ مستويات تدفع نحو سياسات لا تنسجم بالكامل مع التقاليد الاستراتيجية للولايات المتحدة.
تاريخيًا، قامت السياسة الخارجية الأمريكية – على الأقل في خطابها الرسمي – على مبادئ احترام سيادة الدول، وتجنب الانخراط في نزاعات غير مبررة، والعمل ضمن أطر الشرعية الدولية. إلا أن ما نشهده اليوم يطرح تساؤلات جدية حول مدى الالتزام بهذه المبادئ، خاصة عندما يتم اللجوء إلى القوة العسكرية خارج تفويض دولي واضح.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تقييم قرار بعينه، بل في إعادة النظر في المسار العام للسياسة الأمريكية في المنطقة. فاستمرار هذا النهج قد لا يؤدي فقط إلى تقويض الاستقرار الإقليمي، بل قد يضر أيضًا بصورة الولايات المتحدة كقوة تدّعي الدفاع عن القانون الدولي والنظام العالمي القائم على القواعد.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تمثل هذه السياسات انحرافًا مؤقتًا فرضته ظروف سياسية معينة، أم أنها تعكس تحولًا أعمق في طبيعة الدور الأمريكي في العالم؟
الإجابة على هذا السؤال ستحدد إلى حد كبير شكل النظام الإقليمي في السنوات القادمة، ومدى قدرة الدبلوماسية على احتواء أزمات تتغذى على منطق القوة بدل منطق القانون .
تُثير التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط تساؤلات إضافية لا تقل أهمية عن أصل الأزمة، وفي مقدمتها: لماذا تبدو الولايات المتحدة وكأنها تُعرّض حلفاءها لمخاطر متزايدة بدل أن توفر لهم مظلة حماية مستقرة؟
أحد التفسيرات المطروحة يتمثل في طبيعة الاستراتيجية الأمريكية ذاتها، والتي تقوم على مبدأ “الردع عبر التصعيد”. فواشنطن، خصوصًا في عهد الرىيس دونالد ترامب اعتمدت سياسات ضغط قصوى على ايران انطلاقًا من فرضية أن إظهار القوة سيمنع الخصم من التمادي. غير أن هذه المقاربة تحمل في طياتها مفارقة خطيرة: إذ إن رفع مستوى التوتر قد يدفع الأطراف الأخرى إلى الرد بطرق غير مباشرة، غالبًا عبر ساحات حلفاء الولايات المتحدة أنفسهم، مثل دول الخليج والأردن، ما يجعلهم في خط المواجهة الأول.
أما فيما يتعلق بالسلاح النووي، فإن السؤال حول ما إذا كانت إيران ستستخدمه ضد اسراىيل يبقى محل جدل واسع. حتى الآن، لا توجد أدلة حاسمة على امتلاك إيران سلاحًا نوويًا جاهزًا للاستخدام، فضلًا عن أن استخدام مثل هذا السلاح سيعني عمليًا مواجهة كارثية شاملة، قد تؤدي إلى تدمير متبادل. في هذا السياق، يرى العديد من المحللين أن “التهديد النووي” يُستخدم أحيانًا كأداة سياسية لتبرير سياسات الردع أو التصعيد، أكثر من كونه خطرًا وشيكًا.
هذا يعيد إلى الأذهان تجربة اتهام العراق بامتلاك أسلحة دمار شامل، وهي الاتهامات التي مهدت الطريق لغزو العراق عام 2003، قبل أن يتبيّن لاحقًا غياب الأدلة القاطعة. تلك الحرب لم تؤدِ فقط إلى تدمير بنية الدولة العراقية، بل ساهمت أيضًا في إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية، بما منح إيران نفوذًا أوسع داخل العراق، وهو ما يُستخدم اليوم كحجة نقدية لسياسات التدخل العسكري غير المدروسة.
وفي سيناريو افتراضي آخر، ماذا لو غيّرت إيران سلوكها الإقليمي جذريًا؟ أي توقفت عن دعم حلفائها المحليين، وقلّصت تدخلها في الشؤون الداخلية للدول العربية، واتجهت بدلًا من ذلك إلى بناء تحالفات مع دول الخليج والدول العربية، إلى جانب قوى إقليمية مثل تركيا وباكستان، مع دعم دولي من الصين و روسيا ؟
مثل هذا التحول، إن حدث، سيُعيد رسم الخريطة الجيوسياسية بالكامل. فقد يؤدي إلى:
تراجع النفوذ الأمريكي في المنطقة بشكل ملحوظ نشوء تكتل إقليمي–دولي قادر على موازنة القوة الغربية .
و انتقال مركز الثقل السياسي والاقتصادي شرقًا
لكن هذا السيناريو يظل معقدًا، نظرًا لتضارب المصالح، وانعدام الثقة التاريخي، وصعوبة تحقيق اصطفاف استراتيجي بهذا الحجم.
في المحصلة، لا يمكن اختزال المشهد في ثنائية “خير وشر” أو “طرف مسؤول وآخر ضحية”. الواقع أكثر تعقيدًا، حيث تتداخل المصالح، وتتصارع الرؤى، وتُستخدم أدوات القوة بطرق قد تخرج عن السيطرة. ومع ذلك، يبقى الثابت الوحيد أن استمرار هذا النهج التصعيدي يُهدد الجميع، ويُقرب العالم من منطق “غابة الوحوش الدولية” تحكمها القوة بدل القانون.
إن الدعوة إلى التهدئة، وإعادة الاعتبار للدبلوماسية، واحترام سيادة الدول، ليست مجرد شعارات مثالية، بل ضرورة استراتيجية لتجنب انزلاق المنطقة – وربما العالم – إلى صراعات أوسع لا يمكن التنبؤ بعواقبها. لقد آن الأوان لإعادة التفكير في أولويات الأمن العالمي، بما يضع حياة الإنسان واستقرار الدول فوق حسابات الهيمنة والنفوذ .
وفي ختام هذا الطرح، يبقى السؤال الجوهري معلقًا بين القوة والمسؤولية: إلى أين يُراد للمنطقة أن تمضي، ومن يدفع الثمن الحقيقي لهذا التصعيد؟ إن على الولايات المتحدة، التي قادتها سياسات مثل سياسات الرىيس ترامب ، أن تعي خطورة الانجرار وراء حسابات ضيقة أو تحالفات تُغذّي الصراع بدل احتوائه، وألا تسمح لأجندات حكومة بنيامين نتنياهو بأن تجرّها إلى هاوية استنزاف استراتيجي وأخلاقي لن يخدم مصالحها على المدى البعيد.
وفي المقابل، فإن على إيران أن تُعيد توجيه بوصلتها نحو الداخل، نحو رفاه شعبها واستقرار محيطها، وأن تمدّ يدها للتعاون مع الدول العربية والإسلامية، لا سيما دول الخليج، في مسار يقوم على التنمية والاندماج بدل التوتر والصراع. فاستقرار ضفتي الخليج لا يتحقق بالتصعيد، بل بالشراكة والاحترام المتبادل.
إن استمرار السياسات الأمريكية الحالية في الشرق الأوسط، في ظل تصاعد نفوذ قوى كبرى مثل الصين و. وسيا ، لا يعني إلا مزيدًا من التراجع في المكانة الدولية واستنزافًا للقدرات، وهو ما تترقبه هذه القوى بدقة. ومن هنا، فإن لحظة الصحوة أصبحت ضرورة، لتجنّب الانجراف وراء تيارات اليمين المتطرف، سواء في الولايات المتحدة أو في إسرائيل.
كما أن على إيران أن تتحول إلى قوة بناء وخير في محيطها، وأن تساهم في استقرار دول مثل لبنان والعراق واليمن، بدل أن تكون ساحة صراع مفتوح. عندها فقط، يمكن أن تلوح في الأفق فرصة حقيقية لسلام شامل في الشرق الأوسط، يقوم على قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، وعلى تعايش جميع دول المنطقة بأمن وسلام، بما في ذلك دولة إسرائيل غير التوسعية.
هذا هو الطريق الوحيد نحو مستقبل مختلف…
كفى حروبًا، كفى استنزافًا، كفى دماءً .
* المدير العام - مركز فرح الدولي للدراسات و الابحاث الاستراتيجية
muwaffaq@ajlouni.me