الذكاء الاصطناعي ملف أمن قومي
د. صالح سليم الحموري
22-03-2026 12:25 PM
في الأردن، كما في كثير من دول العالم، نتحدث كثيرًا عن التحول الرقمي، ونحتفي بإطلاق المنصات، ونقيس التقدم بعدد الخدمات الإلكترونية. لكن خلف هذا المشهد، هناك سؤال أكبر لم نطرحه بما يكفي:
هل نحن نستخدم الذكاء الاصطناعي… أم نعتمد عليه؟
الفرق بين السؤالين… هو الفرق بين التقدّم والسيادة.
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لتحسين الخدمة الحكومية أو تسريع الإجراءات. لقد أصبح، بهدوء، أحد أهم ملفات الأمن القومي. لأن المسألة لم تعد تتعلق بـ"كيف نُنجز أسرع"، بل بـ"من يتحكم في القرار".
حين تبدأ الخوارزميات في اقتراح السياسات، أو ترتيب الأولويات، أو توجيه الموارد، فإنها لا تُسرّع العمل فقط… بل تُعيد تشكيله.
وفي دولة مثل الأردن، تسعى بجدية إلى تطوير خدماتها، وتحسين كفاءة قطاعها العام، وجذب الاستثمار، يصبح الذكاء الاصطناعي فرصة كبرى… لكنه في الوقت ذاته تحدٍ سيادي حقيقي.
لقد بدأنا خطوات مهمة في ملف البيانات الوطنية، وظهرت مبادرات واعدة لإدارة البيانات وتحسين استخدامها في اتخاذ القرار . لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في جمع البيانات… بل فيمن يملك أدوات تحليلها، ومن يتحكم بالخوارزميات التي تبني عليها القرارات.
أن تستخدم نظامًا ذكيًا مستوردًا، لا تفهم كيف يعمل، ولا تملك بياناته، ولا تتحكم في تحديثاته… فهذا ليس تحولًا رقميًا، بل اعتماد رقمي.
وهنا تكمن الخطورة.
ففي عالم اليوم، قد لا تحتاج دولة إلى اختراق حدودك… يكفي أن تدخل إلى بياناتك.
ولا تحتاج إلى التأثير على قرارك سياسيًا… يكفي أن تُعيد تشكيله خوارزميًا.
من يحصل على الدعم؟
من يُمنح الأولوية؟
أي قطاع يُستثمر فيه؟
كلها أسئلة قد تُصبح، قريبًا، ناتج خوارزميات.
فهل نملك هذه الخوارزميات؟
الأردن، بموارده المحدودة وطموحه الكبير، لا يملك رفاهية الخطأ في هذا الملف. لأن التأخر هنا لا يعني فقط خسارة فرصة… بل يعني الدخول في تبعية يصعب الخروج منها.
الدول التي لا تبني قدراتها في الذكاء الاصطناعي اليوم، ستجد نفسها غدًا مستهلكة لقرارات صُنعت خارجها.
وهنا لا نتحدث فقط عن التكنولوجيا، بل عن نموذج دولة.
هل نريد دولة تستخدم أدوات ذكية؟
أم دولة تملك ذكاءها؟
الفرق بينهما كبير.
الأولى تتطور… لكنها قد تعتمد.
والثانية تبني… وتتحكم… وتُقرّر.
لكن الطريق ليس تقنيًا فقط.
كما قلنا سابقًا، الذكاء الاصطناعي ليس مشروعًا تقنيًا بحتًا، بل مشروع حضاري يعكس قيم المجتمع وهويته.
فإذا لم تُبنى هذه الأنظمة على فهم حقيقي للسياق الأردني، ثقافيًا، اجتماعيًا، واقتصاديًا، فإنها قد تكون دقيقة… لكنها ليست عادلة.
وقد تكون سريعة… لكنها لا تُشبهنا.
لذلك، المعادلة في الأردن يجب أن تكون واضحة:
استثمار في البنية التحتية الرقمية،
بناء قدرات وطنية في تطوير الخوارزميات،
تشريعات تحمي البيانات السيادية،
وتعليم يُخرج جيلًا لا يستهلك الذكاء الاصطناعي… بل يصنعه.
لأن المعركة القادمة لن تكون بين دول غنية وأخرى فقيرة…
بل بين دول تملك خوارزمياتها… وأخرى تُدار بها.
وفي النهاية…
ليس أخطر ما في الذكاء الاصطناعي أن يدخل إلى مؤسساتنا،
بل أن يدخل دون أن نملك مفاتيحه.
فالسيادة في هذا العصر… لم تعد فقط على الأرض،
بل على البيانات… وعلى الخوارزمية.