الأردن… حين يُحاصَر الفكر قبل أن يُحاصَر الوطن
النائب أروى الحجايا
22-03-2026 02:07 PM
مما لا شك فيه، وفي لحظة إقليمية لا تعرف التردد ولا تؤمن بترف الانتظار، نرى عن كثب ملامح الأداء السياسي المتقدم الذي يقوده الملك عبد الله الثاني، في سياق معقد تتداخل فيه الجغرافيا بالعقيدة، والسياسة بالفكر.
لقد شهدت المنطقة خلال العقود الماضية تحولات عميقة، حيث اصطبغت دول كـالعراق ولبنان وسوريا بأنماط فكرية ومذهبية أفرزت واقعًا جديدًا، أعاد تشكيل التوازنات وأنتج ما يُعرف بـ"الهلال الممتد". غير أن الجغرافيا الأردنية لم تكن مجرد موقع على الخارطة، بل تحولت إلى حاجز صلب حال دون اكتمال هذا الامتداد، ليس عسكريًا فحسب، بل فكريًا وثقافيًا.
الأردن، في هذا السياق، لم يخض معركته بالسلاح فقط، بل خاضها بالفكرة، حين تبنّى نهجًا قائمًا على تعزيز الاعتدال، وترسيخ خطاب ديني وسطي، يرفض الغلو بكل أشكاله، ويحصّن المجتمع من الانزلاق نحو الاستقطاب الحاد أو التوظيف السياسي للدين.
ولعل ما يميز التجربة الأردنية هو هذا التوازن الدقيق:
فهي من جهة، تقف سدًا أمام تسلل أي فكر دخيل يسعى لإعادة تشكيل الهوية الوطنية، ومن جهة أخرى، تواجه الفكر المتطرف العنيف، لا بالمواجهة الأمنية وحدها، بل بتفكيك بنيته الفكرية وتجفيف منابعه.
إن الحفاظ على هذا النهج لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتاج رؤية استراتيجية تدرك أن أخطر ما يمكن أن يهدد الدول ليس السلاح، بل الفكرة حين تجد بيئة قابلة للاحتضان.
وهنا، يبرز الدور الأردني كحالة فريدة في الإقليم:
دولة تحرس حدودها بالعقل كما تحرسها بالقوة، وتدير تنوعها بحكمة، وتحافظ على هويتها دون انغلاق، وعلى استقرارها دون صدام.
وفي زمنٍ تتبدّل فيه الاصطفافات، وتعلو فيه ضوضاء المصالح على صوت الحكمة، يمضي الأردن بخطى ثابتة، مؤمنًا أن الاعتدال ليس خيارًا مؤقتًا، بل نهج دولة، وأن صون الاستقرار لا يتحقق بردود الأفعال، بل ببصيرة تستشرف المخاطر قبل أن تتجذر.
وهكذا، يبقى ما يقوده الملك عبد الله الثاني نموذجًا لسياسةٍ تُحسن الإصغاء للتحولات، دون أن تفقد ثوابتها، وتدير التوازنات بعقلٍ بارد، في محيطٍ لا يرحم الاندفاع.