الأردني لا يريد الحرب ولا يقبل نتائجها .. بين الشعور والكلفة أين نقف حقًا؟
21-03-2026 02:01 PM
عمون - من المحامي أسامة موسى البيطار - “كُتب عليكم القتال وهو كرهٌ لكم”… ليست مجرد آية تُتلى، بل حقيقة يتجنبها الجميع: أن الأمن لا يُبنى بالرغبات، بل بالكلفة.
في الأردن، يتشكل موقف عام يبدو متماسكًا في الشعور، ومتناقضًا في التطبيق.
نريد هزيمة إسرائيل، ونفرح بأي ضربة تُوجَّه إليها، لكننا لا نريد أن تمسّنا ارتدادات الحرب.
نرفض الظلم في غزة، وندعم أهلها، لكننا نرفض أي سيناريو قد ينقل عبء الأزمة إلى داخل حدودنا.
ننتقد الولايات المتحدة، ونهاجم سياساتها، ثم نقف في طوابير السفارات طلبًا لفرصة تعليم أو عمل.
نطالب بمواقف عربية حاسمة، لكننا لا نريد أن ندفع ثمن انهيار إقليمي.
هذا ليس تناقضًا بقدر ما هو شعور صادق بلا حساب للكلفة.
المشكلة أن الحرب لا تُدار بالمشاعر، بل بالنتائج.
والدولة لا تتحرك على أساس ما نريده، بل على أساس ما تستطيع تحمّله.
الأردن ليس جزيرة معزولة.
هو في قلب إقليم مضطرب، محدود الموارد، محاط بأزمات مفتوحة، ومتشابك اقتصاديًا واجتماعيًا مع محيطه.
أي تصعيد في المنطقة لا يبقى عنوانًا سياسيًا، بل يتحول فورًا إلى:
• ضغط اقتصادي
• تهديد أمني
• تحدٍ مائي وطاقي
• واحتمالات ديموغرافية حساسة
لهذا، حين يطالب البعض بمواقف قصوى، يغيب سؤال واحد أساسي:
هل نملك كلفة هذا الموقف؟
المفارقة أن كثيرًا من هذا النقاش يُدار من موقع الأمان الكامل. من مقهى مستقر، أو بيت هادئ، أو مدينة آمنة.
بينما هذا الأمان نفسه ليس معطىً طبيعيًا، بل نتيجة منظومة كاملة من:
• أجهزة أمنية
• علاقات دولية
• توازنات سياسية دقيقة
• وإدارة يومية للأزمات
هناك من يحرس هذا الاستقرار، حتى لو لم نره.
وهناك من يدفع ثمنه، حتى لو لم نشعر به.
ليس المطلوب أن نصمت، ولا أن نتخلى عن مواقفنا الأخلاقية.
لكن المطلوب أن نكون واضحين مع أنفسنا:
لا يمكن الجمع بين سقف شعوري مفتوح… وكلفة صفرية.
الدول التي اندفعت خلف الشعارات دون حساب الكلفة دفعت ثمنًا باهظًا:
انهيارًا اقتصاديًا، فوضى أمنية، أو ضياعًا سياسيًا.
والأردن، بحكم موقعه وتركيبته، لا يملك رفاهية هذا الخطأ.
أين يجب أن نقف؟
الأردني لا يحتاج أن يختار بين العاطفة والمصلحة، بل أن يفهم أن:
المصلحة الوطنية هي الإطار الذي تُدار من خلاله كل العواطف.
• دعم القضايا العادلة لا يعني استدعاء الفوضى
• رفض الظلم لا يعني الانتحار السياسي
• والكرامة لا تتعارض مع الاستقرار… بل تقوم عليه
المعادلة الحقيقية ليست: من مع من؟ بل: كيف نحافظ على بلد قادر على الاستمرار… ونحن نعبّر عن موقفنا
الأردني ليس منقسمًا… بل يقف على حافة معادلة صعبة:
يريد موقفًا كبيرًا، لكنه يعيش في دولة لا تحتمل المغامرات الكبيرة.
وفي زمن تُفرض فيه الوقائع بالقوة، يبقى السؤال الحقيقي:
هل نريد موقفًا يرضي شعورنا… أم موقفًا يحمي بلدنا؟
فالأوطان لا تُحمى بما نشعر… بل بما نستطيع تحمّله.