facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الأردن .. ثباتُ الدولة وطمأنينةُ المواطن


أ.د احمد منصور الخصاونة
29-03-2026 10:21 AM

كشاهدٍ على عقودٍ ممتدة من عمر هذا الوطن، ومنذ ولادتي عام 1971 وحتى يومنا هذا، أستطيع أن أقرر—عن تجربةٍ معيشة لا عن انطباعٍ عابر—أن الدولة الأردنية لم تعرف لحظة عجزٍ عن تأمين أساسيات الحياة لمواطنيها. لقد تراكم هذا اليقين عبر سنوات طويلة، شهدنا فيها كيف استطاع الأردن، رغم تعقيدات الإقليم وضغوط الاقتصاد العالمي، أن يحافظ على استقراره، ويصون كرامة الإنسان فيه، ويؤمّن مقومات العيش الكريم.

نشأنا في بيئةٍ تعليمية بسيطة في ظاهرها، عميقة في مضمونها؛ حيث كان التعليم متاحًا للجميع دون تمييز، مقابل رسوم رمزية تُعرف بـ“التبرعات”، يُعفى منها من لا يستطيع الدفع. كان ذلك تعبيرًا صادقًا عن عدالةٍ اجتماعيةٍ متجذّرة، ترى في التعليم حقًا لا امتيازًا. وعندما انتقلنا إلى جامعة اليرموك، ترسّخ هذا المعنى أكثر؛ إذ لم نشعر إلا بأننا في دولةٍ تُدرك قيمة الإنسان، وتستثمر في عقله ومعرفته. وكانت وسائل النقل العام، بأجورها الزهيدة، امتدادًا لهذا النهج، بما يعكس فلسفة دولةٍ تعتبر التعليم ركيزةً أساسية لبناء المستقبل.

وفي تفاصيل الحياة اليومية، لم نختبر يومًا انقطاعًا في الغذاء أو الدواء. حتى في الظروف المناخية القاسية التي شهدتها البلاد في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، حين كانت الثلوج تعزل المناطق، كان الجيش العربي حاضرًا في الميدان، يصل إلى البيوت، ويتفقد الأسر، ويوزّع الخبز والمؤن. وفي جائحة كورونا، تجلّت أعلى درجات التكامل المؤسسي؛ حيث تحوّلت أجهزة الدولة وخصوصا الامن العام والجيش إلى منظومةٍ واحدة تعمل بكفاءة، من توزيع الدواء والخبز، إلى تقديم العون للمحتاجين، في مشهدٍ يعكس عمق المسؤولية الوطنية.

لم تعرف البلاد انقطاعًا مؤثرًا في الكهرباء، ولا خللًا في الخدمات الأساسية، ومع تطور الزمن، امتد هذا الاستقرار ليشمل خدمات الاتصالات والإنترنت، التي أصبحت جزءًا من بنية الحياة الحديثة. كما لم تتعثر منظومة الرواتب، ولم تُمسّ حقوق المتقاعدين، ولم تُغلق مستشفى أو مركز صحي في وجه مريض. وكانت الأجهزة الأمنية والخدمية حاضرةً على الدوام، تستجيب بسرعةٍ وكفاءة، بما يعزز ثقة المواطن ويكرّس الإحساس بالأمان.

وفي المجال الاقتصادي والمعيشي، لم يشهد الأردنيون أزمات نقصٍ حاد في المحروقات أو السلع الأساسية، ولم تعرف الأسواق فراغًا أو اضطرابًا يمسّ حاجات الناس اليومية. ظلّت الأسواق عامرة، والقطاع المصرفي متماسكًا، قادرًا على تلبية احتياجات المودعين، في إطارٍ من الثقة والاستقرار.

أما على الصعيد المجتمعي، فقد ظلّ الأمن قيمةً راسخة في حياة الأردنيين؛ فلم يكن الخوف حاضرًا في تفاصيل يومهم، بل الطمأنينة والاستقرار. استمرت مسيرة التعليم دون انقطاع، وبقيت المؤسسات الأمنية نموذجًا في الجاهزية والانضباط، دون أن تنفصل عن بعدها الإنساني. ولم تتشكّل في المجتمع مظاهر سلبية كالتي عرفتها بعض البيئات المضطربة، من تنمّرٍ أو استقواءٍ أو حواجز تُقيّد حركة الناس، بل بقيت العلاقة بين المواطن ورجل الأمن قائمة على الاحترام المتبادل، في ظل سيادة القانون.

ورغم محدودية الموارد الطبيعية، استطاع الأردن أن يقدّم نموذجًا لدولةٍ تُحسن إدارة إمكاناتها، وتوازن بين التحديات والقدرات، وتحافظ على استقرارها. ولم يكن ذلك وليد ظرفٍ طارئ، بل نتيجة تراكمٍ مؤسسي قائم على الكفاءة والانضباط، ووعيٍ مجتمعي يدرك أهمية التماسك في مواجهة الأزمات.

ومن السمات البارزة لهذا الوطن، أنه ظلّ عبر تاريخه ملجأً لكل من ضاقت به السبل في محيطه، ففتح أبوابه للنازحين من ويلات الحروب والنزاعات، ووفّر لهم الأمن والكرامة، في تعبيرٍ صادق عن قيمٍ إنسانية راسخة. كما حافظ الأردن على مكانةٍ رفيعة في وجدان الأشقاء، لا سيما في دول الخليج، حيث ارتبط اسم الأردني بالكفاءة والانضباط والإخلاص، ما عزّز روابط الأخوّة والتقدير المتبادل.

إن ما يشهده المجتمع أحيانًا من حالات قلقٍ أو اندفاعٍ نحو التخزين بدافع الخوف، لا ينسجم مع هذا السجل الطويل من الاستقرار والثبات. فالتجربة الأردنية، بما تحمله من دروسٍ وعبر، تؤكد أن التحديات—مهما بلغت—يمكن تجاوزها بالعقلانية والتماسك، بعيدًا عن التهويل أو ردود الفعل غير المدروسة.

إن الثقة بالدولة ومؤسساتها ليست شعارًا يُرفع، بل حصيلة تجربةٍ متراكمة، ومسؤولية مشتركة بين المواطن والمؤسسة، تتكامل في ظل قيادةٍ هاشمية راشدة، أثبتت قدرتها على إدارة الأزمات بحكمةٍ واتزان، وصون الاستقرار في أحلك الظروف.

وفي المحصلة، فإن الأوطان لا تُقاس بلحظات القلق العابر، بل بتاريخٍ من الصمود، وبقدرةٍ مستمرة على التكيّف والتجدد. والأردن، بما يملكه من إرثٍ وقيمٍ ومؤسسات، سيبقى—بإذن الله—راسخًا في وجه التحديات، شامخًا في مواقفه، ثابتًا في مسيرته، مستندًا إلى قيادةٍ هاشمية راشدة حكيمة، وشعبٍ واعٍ، لا تلين إرادته ولا تنكسر عزيمته.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :