مع من يتفاوض ترامب في إيران؟
د. عامر السبايلة
30-03-2026 08:52 AM
بمجرد أن أعلن دونالد ترامب عن وجود طرف إيراني “قوي” يجري التفاوض معه، مع امتناعه عن كشف هويته بذريعة حمايته من الاستهداف، تحوّل التصريح ذاته إلى أداة ضمن إدارة الصراع، لا مجرد معلومة سياسية. سريعاً، دفعت تسريبات إعلامية إسرائيلية باسم محمد باقر قاليباف إلى الواجهة باعتباره هذا الطرف، ورغم النفي الرسمي الإيراني، فإن تتابع الإشارات — من الحديث عن وساطات إقليمية، إلى طلبات تحييد شخصيات بعينها، وصولاً إلى تلميحات عباس عراقجي حول تأجيل الرد — يكشف أن مساراً تفاوضياً فعلياً يتحرك في الخلفية.
خطورة هذا المسار لا تكمن في مضمونه بقدر ما تكمن في أثره الداخلي. فمجرد الإيحاء بوجود “شريك موثوق” لواشنطن داخل النظام، يعيد توزيع الشكوك داخل بنية السلطة الإيرانية، ويفتح صراعاً صامتاً حول الشرعية ومن يمتلك حق التفاوض. هنا، يتحول التصريح إلى أداة تفكيك نفسي وسياسي، يضرب تماسك الداخل، فيما يفتح في الوقت نفسه نافذة للخارج.
في موازاة ذلك، يواصل ترامب ضبط إيقاع الحرب عبر توظيف الهدن المؤقتة كأداة مزدوجة: غطاء سياسي، وآلية لتنظيم سوق الطاقة. هذه الهدن لا تعني التهدئة، بل العكس؛ إذ تتصاعد خلالها الضربات النوعية داخل إيران، مستهدفة البنية العسكرية والصناعية والعلمية، وصولاً إلى مفاصل البرنامج النووي. الهدنة هنا ليست وقفاً للحرب، بل إعادة هندسة لها، وتوزيع محسوب للضغط.
إقليمياً، ومع تآكل القدرات الباليستية الإيرانية، تتقدم جبهة حزب الله كأكثر الأوراق فاعلية نسبياً، في ظل تحييد واسع لفصائل الحشد الشعبي في العراق. أما محاولات طهران لتفعيل بقية أوراقها — وفي مقدمتها جبهة الحوثي — فتبدو أقرب إلى إدارة صورة “القدرة على التأثير”، منها إلى استراتيجية قادرة على تغيير مسار المواجهة.
جبهة الحوثي، رغم إدخالها في المعادلة، فقدت الكثير من قدرتها على الاستدامة. الضربات التي طالت بنيتها القيادية وقدراتها الصاروخية دفعتها نحو حسابات البقاء، لا التصعيد. كما أن أي مغامرة في مضيق باب المندب ستضعها في مواجهة مباشرة مع قوة دولية، وهي معادلة غير متكافئة. ومع تراجع القدرة الإيرانية على الإسناد، يتقلص دورها إلى تأثيرات رمزية، تُستثمر إعلامياً أكثر مما تُترجم عسكرياً.
ومع ذلك، فإن أخطر التحولات تكمن في احتمال انتقال إيران إلى خيار “الضرر الجماعي”، سواء عبر استهداف العمق الخليجي، أو من خلال أدوات غير تقليدية كتنشيط الخلايا النائمة وتكثيف استخدام الطائرات المسيّرة. هنا يرتفع مستوى التهديد من صواريخ ومسيرات إلى سيناريوهات فوضى ميدانية، تتداخل فيها الجبهات وتتشظى فيها قواعد الاشتباك.
في المقابل، ومع تعمّق الضربات الأميركية والإسرائيلية، تتجه واشنطن نحو مرحلة أكثر حساسية ترتبط بـ مضيق هرمز. المسألة لا تتعلق بإغلاق مباشر، بل بصناعة بيئة خطرة للملاحة عبر الاستهدافات غير المباشرة، بما يدفع شركات التأمين إلى الانسحاب ويحوّل العبور إلى مخاطرة مفتوحة. من هنا يتصاعد التركيز على القدرات الساحلية الإيرانية، ومنصات الإطلاق، واستخدام أدوات بحرية غير تقليدية لتعطيل التهديدات.
أما مهلة الأيام التي وضعها ترامب قبل الانتقال إلى استهداف منشآت الطاقة ومحطات الكهرباء، فهي ليست إنذاراً بقدر ما هي إطار زمني لتسريع التصعيد إلى أقصاه. إنها تمنح إسرائيل غطاءً لتوسيع بنك الأهداف، وتدفع نحو خلق واقع ميداني تصبح فيه كلفة التراجع أعلى من كلفة الاستمرار بالنسبة للنظام الإيراني.
في المحصلة، لا يجري إسقاط النظام الإيراني بضربة عسكرية، بل يُدفع تدريجياً إلى التفكك تحت ضغط واقع داخلي يُعاد تشكيله قسراً. إنها حرب لا تبحث عن لحظة سقوط، بل عن نقطة لا يمكن بعدها العودة.
وعند تلك النقطة تحديداً، لن يكون السؤال مع من تتفاوض واشنطن… بل "من بقي في طهران ليملك قرار التفاوض أصلاً."
الغد