كنا في جلسة شبه عامة.. الحديث يتشعب كما تتشعب الطرق حين تضيع البوصلة.. هذا يروي.. وذاك يقاطع.. حتى ذُكر اسم رجلٍ على الهامش.. فإذا بأحدهم يقفز قائلاً بثقة.. فلان بيكون عديل عديلي.. نظر إليه المتحدث باستغراب.. كأنه سمع كلمة أطول من القصة نفسها.. وقال له ببساطة موجعة.. لماذا أطلتها وهي قصيرة؟!.. عديل عديلك يعني عديلك..
هنا لم تنتهِ الحكاية.. بل بدأت.. ابتسامات تتسلل.. همهمات ترتفع.. وأصوات تتداخل.. هذا يوافق.. وذاك يعترض.. حتى تحولت الجملة الصغيرة إلى ساحة جدل..
اضطر صاحبنا أن يشرح ما لا يحتاج شرحاً.. فقال.. عديلي متزوج اثنتين.. إحداهما أخت زوجتي فهو عديلي.. والأخرى أخت زوجة فلان.. فيصبح فلان عديل عديلي.. لا عديلي.. وكأننا أمام معادلة نسبية.. لا جلسة عابرة..
حينها.. أدركت أن المشكلة لم تكن في مفهوم وفهم جملة عديل عديلي.. بل في عقولٍ تستعجل الفهم.. وتُسارع إلى الحكم.. وتُقاتل دفاعاً عن فكرة لم تتأكد منها أصلاً..
نحن لا نسمع لنفهم.. بل نسمع لنرد.. لا نقرأ لنستوعب.. بل نقرأ لنعارض.. وكأن الحقيقة عبء ثقيل.. نفضل الهروب منه إلى أول رأي جاهز.. نحمله ونلوح به..
كم من مقالٍ نُسف من عنوانه.. وكم من كاتبٍ حُوكم قبل أن تُقرأ سطوره.. البعض يقرأ العنوان.. فيصبح العنوان خصماً.. والمحتوى يصبح ضحية.. مع أن القارئ لو كلف نفسه فقط بالقراءة.. أو يصل إلى حد القراءة المتأنية.. فقد يجد في المحتوى ما يُوافقه.. أو يُصحح له مفاهيم مغلوطة.. أو حتى يُنقذه من جهلٍ أصرّ عليه..
وكم من مقطعٍ يصلنا.. مشحونٍ بالمشاعر.. مرتبٍ كأنه حقيقة نهائية.. فنبتلعه دون مضغ.. ثم نعيد توزيعه وكأننا شهود عيان.. لا متلقين سذج.. لا نسأل.. لا نبحث.. لا نشك.. فقط لأنه وافق هوانا.. ولأن الصياغة كانت ذكية بما يكفي لتخدر عقولنا.. وتُلبس الكذب ثوب اليقين..
وهنا تكمن الكارثة.. ليس في الكذب نفسه.. بل في استعدادنا لتصديقه.. وفي شهيتنا المفتوحة لاعتناقه دون دليل..
كنا أمة إقرأ.. لا أمة أنقل..
كنا أمة تُفكِر.. لا أمة تنفعل..
لكننا اليوم نثبت.. يوماً بعد يوم.. أننا لا نقرأ.. وإن قرأنا لا نفهم.. وإن فهمنا لا نتثبت..
فلا عديل عديلي كانت المشكلة.. ولا حتى من قالها.. المشكلة في عقولٍ اختارت الطريق الأقصر دائماً.. حتى لو كان يقودها إلى الخطأ الأطول..