ليس انتخاب نبيل فهمي أميناً عاماً لـ جامعة الدول العربية مجرد انتقال إداري في قيادة مؤسسة إقليمية عريقة، بل هو لحظة سياسية مفصلية تختبر قدرة النظام العربي على تجديد أدواته في عالم يتغير بسرعة وتشتد فيه المنافسة بين التكتلات الإقليمية.
فالجامعة العربية، التي أُنشئت لتكون صوت العرب ومنصتهم المشتركة في مواجهة التحديات، تقف اليوم أمام سؤال جوهري: هل تبقى إطاراً تقليدياً يكتفي بمتابعة الأحداث، أم تتحول إلى مؤسسة قادرة على المبادرة وصناعة الفعل العربي المشترك.
في هذا السياق يأتي اختيار نبيل فهمي، أحد أبرز وجوه الدبلوماسية العربية، بخبرة سياسية ودبلوماسية عميقة اكتسبها عبر سنوات طويلة في العمل الدولي، ما يمنحه قدرة على فهم التوازنات العالمية وإدارة الملفات الإقليمية المعقدة بحنكة وواقعية.
ويتسلّم فهمي الأمانة العامة خلفاً لـ أحمد أبو الغيط، أحد خريجي الدبلوماسية المصرية العريقة، في انتقال يعكس استمرار تقاليد دبلوماسية لعبت دوراً محورياً في إدارة العمل العربي المشترك لعقود طويلة.
غير أن التحدي الحقيقي أمام القيادة الجديدة لا يتعلق فقط بإدارة الأزمات السياسية التي تعصف بالمنطقة، بل يتجاوز ذلك إلى ضرورة فتح آفاق جديدة للعمل العربي في المجالات التنموية والاقتصادية. فالعالم اليوم يتشكل حول التكتلات الاقتصادية الكبرى، بينما لا تزال المنطقة العربية—برغم ثرواتها وإمكاناتها—تعاني من ضعف التكامل الاقتصادي ومحدودية المشاريع المشتركة.
ومن هنا يمكن أن تتحول الجامعة العربية، إذا توفرت الإرادة السياسية، إلى منصة لإطلاق مبادرات عربية كبرى في مجالات الأمن الغذائي والطاقة والاقتصاد الرقمي وربط البنية التحتية بين الدول العربية. فالتحدي الحقيقي لم يعد سياسياً فقط، بل تنموي واستراتيجي يمس مستقبل الأجيال القادمة.
لكن نجاح هذه الرؤية لا يعتمد على الأمين العام وحده. فالمؤسسات الإقليمية لا تقوى بأشخاصها، بل بإرادة الدول الأعضاء التي تدعمها وتمنحها القدرة على الحركة والتأثير.
ومن هنا تبرز قضية جوهرية طالما أثرت في أداء الجامعة العربية، وهي انشغال بعض مندوبي الدول الأعضاء في تفاصيل إدارية ومالية صغيرة داخل أروقة المؤسسة، والتدخل في قضايا إجرائية يومية تستنزف الوقت والجهد، بدلاً من التركيز على القضايا الاستراتيجية الكبرى التي أُنشئت الجامعة من أجلها.
فإذا أرادت الدول العربية للجامعة أن تكون لسان العرب وصوتهم في العالم، فعليها أن تدعمها سياسياً ومؤسسياً، وأن ترفع عن كاهلها هذا النوع من التدخلات التفصيلية التي تعيق عمل الامانة العامة وتحد من قدرتها على المبادرة..
إن المرحلة القادمة تتطلب إعادة تعريف العلاقة بين الدول الأعضاء والجامعة العربية، بحيث تصبح مؤسسة قادرة على التفكير الاستراتيجي والعمل الجماعي، لا مجرد جهاز بيروقراطي مثقل بالتفاصيل اليومية.
وفي هذا السياق، قد يمثل انتخاب نبيل فهمي فرصة حقيقية لإعادة إطلاق دور الجامعة العربية، شرط أن يقترن ذلك بإرادة عربية واضحة تمنح المؤسسة الدعم والصلاحيات التي تحتاجها.
فالجامعة العربية يمكن أن تكون منصة لصناعة المستقبل العربي… إذا قرر العرب أن يجعلوها كذلك.