المصارف الإسلامية والتكافل .. نحو منظومة مالية إسلامية أردنية متكاملة
د. محمد فخري صويلح
06-06-2026 10:38 PM
يشكّل التعاون بين المصارف الإسلامية وشركات التأمين التكافلي، واللذان يشكلان جزءً رئيسياً من الصناعة المالية الإسلامية العالمية، التي تشير بعض التقديرات إلى أن أصولها قد تتجاوز 9.7 تريليون دولار خلال السنوات القادمة ،، بل إن التكامل بينهما يشكل أحد اللبنات الاستراتيجية لبناء منظومة مالية إسلامية متكاملة وقادرة على المنافسة عالمياً،،، فهذان القطاعان — رغم اختلاف وظائفهما الأساسية — يعتمدان على مرجعية شرعية واحدة تقوم على مبدأ التعاون، وتقاسم المخاطر، وتحقيق العدالة المالية،، هذا التماثل القيمي والتشغيلي يجعل من التشاركية بينهما أكثر من مجرد تعاون تقني، إنها رافعة لتوسيع قاعدة التمويل الإسلامي وتعزيز متانته،،، وهو ما أثبتت التجربة الخليجية والماليزية وغيرهما جدوى الشراكة بينهما.
يقوم التأمين التكافلي على مبدأ التبرع (الهبة) والتعاون بين المشتركين، حيث يتم توزيع المخاطر التأمينية بينهم بشكل جماعي، دون اللجوء إلى نماذج التأمين التجاري القائم على المعاوضة مقابل المخاطرة والمقامرة والربا،،، ومن جهة أخرى، تعتمد المصارف الإسلامية على صيغ تمويل واستثمار تقوم على المشاركة والارتباط بالأصول الحقيقية،،، هذا التشابه الاقتصادي في الأسس يجعل التكامل بين الطرفين طبيعياً ومستحقاً.
تبدأ أولى مجالات التشاركية من التمويل المشترك،،، فعند تمويل المصارف الإسلامية لمشاريع كبيرة — مثل البنية التحتية أو المشاريع الاستثمارية — يمكن لشركات التأمين التكافلي أن تلعب دوراً في إدارة وتغطية المخاطر التأمينية لهذه المشاريع، سواء كانت متعلقة بالبناء، أو التشغيل، أو المسؤوليات القانونية،،، هذه الشراكة تُقلل المخاطر الإجمالية، وتزيد من قدرة المصرف على تمويل مشاريع أكبر وأكثر تنوعاً.
كما أن التكافل يمثل أداة داعمة لإدارة المخاطر المصرفية،،، فالمصارف الإسلامية تواجه — مثل غيرها — مخاطر تشغيلية وائتمانية وسوقية،،، ويمكن لشركات التكافل أن تقدم حلولاً تأمينية شرعية تغطي بعض هذه المخاطر، مما يعزز من استقرار المصرف الإسلامي،،، وبهذا، تصبح شركات التكافل جزءً من منظومة التحوط الشرعي التي ترفع قدرة المصرف على إدارة المخاطر دون اللجوء إلى أدوات غير متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية لضبط تأثيرات المخاطر على محفظته التمويلية.
ومن المجالات المهمة للتكامل بين المصارف الإسلامية والتكافل المنتجات المالية المتقاطعة،،، فبدلاً من أن يشتري العميل منتجاً تمويلياً من المصرف ويبحث عن تأمين من جهة أخرى، يمكن تصميم منتجات مشتركة تجمع بين التمويل التكافلي والتأمين التكافلي في حزمة واحدة،،، على سبيل المثال،،، التمويل العقاري التكافلي يمكن ربطه بتغطية تأمينية شرعية لحماية المتعامل المتمول من مخاطر فقدان المعيل أو الكوارث الطبيعية التي قد تلحق العقار الممول،،، هذا النموذج يوفر للعميل تجربة مالية متكاملة وأكثر أماناً.
كما أن هذه التشاركية تفتح الباب أمام الابتكار المالي المشترك،،، فمع تزايد استخدام التقنيات المالية (FinTech)، يمكن تطوير منصات رقمية تقدم خدمات مصرفية وتأمينية تكافلية بشكل متكامل،،، وهذا يعني أن العميل سيتمكن من إدارة تمويله، وتأمينه، واستثماراته من خلال منصة واحدة، مما يعزز ولاءه وثقته بالنظام المالي الإسلامي.
ومن الناحية الاستراتيجية أن هذا التكامل يمكن أن يساهم في تعزيز الاستقرار المالي الكلي،،، فكلما كانت العلاقة بين التمويل والتأمين أكثر تكاملية منسجمة، كلما زادت قدرة النظام المالي على امتصاص الصدمات الاقتصادية،،، فعلى سبيل المثال، عند حدوث أزمة مالية أو كارثة طبيعية، تلعب شركات التكافل دوراً إيجابياً في تخفيف الخسائر على الأفراد والمؤسسات، مما يحافظ على استقرار المصارف الإسلامية ويمنع انهيارات مفاجئة في محافظها التمويلية.
كما أن التكامل بين القطاعين يعزز من قدرة التمويل الإسلامي على دخول قطاعات جديدة مثل الطاقة المتجددة، والبنية التحتية، والمشاريع الصناعية الكبرى،،، فوجود غطاء تأميني تكافلي للمخاطر التشغيلية والاستثمارية يزيد من شهية المصارف للمشاركة في مثل هذه المشاريع، ويجعلها أكثر قدرة على اجتذاب المستثمرين والمؤسسات الدولية.
ومن الجوانب التنظيمية، فإن هذا التكامل يتطلب بنية تشريعية متناغمة من الناحية الرقابية والتشريعية بين الجهات المشرفة على المصارف الإسلامية وشركات التكافل،،، فالتضارب في المتطلبات التنظيمية قد يعيق الابتكار ويُبطئ من نمو المنتجات المشتركة،،، وأما وجود بيئة تنظيمية موحدة أو متناغمة، فيُسهم في تسريع إطلاق حلول مالية متكاملة ومبتكرة.
كما أن التكامل بين المصارف الإسلامية والتكافل يفتح المجال أمام الشراكات المؤسسية،،، فالمصارف يمكنها تأسيس أو امتلاك حصص في شركات التأمين التكافل (وفق الضوابط التنظيمية والرقابية)، والعكس صحيح،،، هذه الشراكات تخلق كيانات مالية قوية تمتلك قدرة أكبر على المنافسة، والتوسع الإقليمي، وبناء منظومات خدمات مالية متكاملة.
ولا يمكن تجاهل الدور المهم لهذه التشاركية في رفع مستوى الوعي المالي لدى المتعاملين،،، فعندما تُقدّم الخدمات المصرفية والتأمينية في إطار متكامل، يصبح العميل أكثر إدراكاً لإدارة مخاطر حياته ومشاريعه بطريقة شرعية ومنظّمة، وهو ما يعزز من نضج السوق المالي الإسلامي ككل.
ومن الزوايا التقنية، فإن استخدام التحول الرقمي والتقنيات المالية الحديثة يجعل من هذا التكامل أكثر سلاسة وفاعلية،،، فربط المنصات الرقمية للمصارف الإسلامية بشركات التأمين التكافل يمكن أن يوفّر حلولاً آلية لإصدار وثائق التغطيات التأمينية، وربطها مباشرة بالمنتجات التمويلية، وإدارة المطالبات بشكل سريع وشفاف.
لكن هذا المسار لا يخلو من التحديات. فهناك حاجة إلى تطوير كفاءات بشرية قادرة على فهم طبيعة التمويل الإسلامي والتكافل معاً، وتملك القدرة على تصميم منتجات مشتركة،،، كما يتطلب الأمر اجتهاداً شرعياً معاصراً لتوحيد بعض المفاهيم وتبسيط الإجراءات، مع الحفاظ على الضوابط الشرعية الدقيقة حاضرة وحاكمة للنشاط التشغيلي لكلا القطاعين.
كما يواجه القطاعان تحديا في الوعي المجتمعي، إذ لا تزال فئات من المتعاملين تنظر إلى التأمين بشيء من التحفظ أو تفتقر إلى فهم طبيعة وماهية التأمين التكافلي،،، وهنا يأتي دور المصارف وشركات التأمين التكافل والهيئات الشرعية فيهما في حملات توعية وتثقيف مشتركة تبرز القيم الشرعية والاقتصادية لهذا النموذج.
إن الشراكة بين المصارف الإسلامية وقطاع التأمين التكافلي ليست مجرد تعاون تجاري، بل هي تحالف استراتيجي يبني منظومة مالية متكاملة قادرة على المنافسة إقليمياً ودولياً،،، ومن خلال هذه التشاركية يمكن للصناعة المالية الإسلامية أن تقدم نموذجاً متطوراً يجمع بين التمويل والتأمين والاستثمار في إطار شرعي واحد،،، وهو في رأينا كممارسين وخبراء في قطاع المالية الإسلامية يمثل نواة بناء منظومة متكاملة (Ecosystem) والتي ستحقق تكاملية بين أعمدة الاقتصاد الإسلامي المتمثلة في المصرفية الإسلامية والتأمين التكافلي والقطاع الوقفي والقطاع الزكوي مما ينعكس على كفاءة مؤسسات الاقتصاد الإسلامي وأثرها واستدامتها،،، مما يدفع الجهات الرقابية وشركاء القطاعين للتفكير جدياً في إطلاق لجنة مشتركة بين المصارف وشركات التأمين التكافلي كمرحلة أولى، أو بإطلاق مبادرة للبنك المركزي الأردني وهيئة التأمين لدراسة إنشاء إطار تنسيقي دائم بين القطاعين.
* مستشار المصرفية الإسلامية والحوكمة والاستثمار.