هل تُعدّ ما يُعرف بـ(الفضفضة) سلوكًا آمنًا نفسيًا؟
آية عويدي العبادي
30-05-2026 11:49 PM
هل كل ما يشعر الإنسان بالاختناق الداخلي يجب أن يقوله؟ وهل الحديث عن الألم يخففه فعلًا؛ أم قد يجعله أكثر رسوخًا داخل النفس؟ وهل جميع الأشخاص مؤهلون لسماع ما نحمله في أعماقنا؛ أم أن بعض الفضفضة تتحول لاحقًا إلى ندم نفسي لا يمكن إصلاحه بسهولة؟ هذه الأسئلة لا تبدو بسيطة كما يظن البعض؛ لأن ما يُعرف بـ(الفضفضة) ليس دائمًا سلوكًا آمنًا نفسيًا كما يتم تصويره في كثير من الأحيان.
أصبح من الشائع اليوم اعتبار الفضفضة أمرًا صحيًا في جميع الظروف؛ وكأن الإنسان مطالب بالكشف المستمر عن مشاعره كي يكون متوازنًا نفسيًا، لكن الحقيقة النفسية أكثر تعقيدًا من ذلك؛ فليس كل ما يُقال يخفف الألم، وليس كل مستمع يمنح الأمان، أحيانًا يخرج الإنسان من حديث طويل وهو أكثر إنهاكًا؛ لأنه لم يجد فهمًا حقيقيًا، بل وجد أحكامًا خفية، أو تقليلًا من مشاعره، أو مراقبة باردة لضعفه الإنساني.
ومن الناحية النفسية؛ فإن الإنسان عندما يكرر الحديث عن ألمه بصورة مستمرة قد يدخل فيما يُعرف بالاجترار النفسي؛ أي إعادة تدوير المشاعر السلبية داخل العقل مرة بعد أخرى، في هذه الحالة لا يعود الكلام وسيلة للتخفيف؛ بل يتحول إلى إعادة إحياء مستمرة للوجع، بعض الأشخاص يظنون أنهم يتعافون عبر الحديث؛ بينما هم في الحقيقة يرسخون داخل أذهانهم صورة دائمة عن أنفسهم بوصفهم ضحايا للألم والتعب والانكسار.
كذلك فإن كشف التفاصيل النفسية أمام الأشخاص الخطأ قد يترك آثارًا عميقة لا تقل قسوة عن المشكلة الأصلية نفسها، فبعض الناس لا يحفظون الأسرار؛ وبعضهم يستخدم المعرفة العاطفية وسيلة للسيطرة أو التقليل أو الإهانة لاحقًا، لهذا فإن الإفراط في الفضفضة قد يفقد الإنسان شعوره بالأمان الداخلي؛ لأنه يمنح الآخرين قدرة كبيرة على الوصول إلى أكثر مناطقه هشاشة وضعفًا.
ولا يمكن تجاهل أن بعض الأشخاص يلجؤون إلى الفضفضة لا بهدف الفهم أو التخفيف؛ وإنما هربًا من مواجهة أنفسهم، فبدل أن يحاول الإنسان تحليل مشكلته بهدوء، أو اتخاذ خطوات حقيقية للتغيير؛ يدخل في دائرة طويلة من الشكوى المتكررة، ومع الوقت يصبح الحديث عن المعاناة عادة نفسية؛ ويعتاد العقل على البقاء داخل الحالة المؤلمة بدل الخروج منها.
وفي المقابل؛ فإن الكتمان المطلق ليس حلًا صحيًا أيضًا، الإنسان ليس آلة قادرة على ابتلاع مشاعره إلى ما لا نهاية؛ لأن الضغط النفسي المستمر قد يظهر لاحقًا على هيئة توتر دائم، أو اضطراب في النوم، أو انفعال حاد، أو إنهاك داخلي يفقد الإنسان قدرته على الاحتمال، لكن الفرق كبير بين التعبير الواعي عن المشاعر؛ وبين كشف كل ما في الداخل دون حدود أو وعي أو انتقاء.
النضج النفسي لا يعني أن يتحدث الإنسان طوال الوقت؛ ولا يعني أن يصمت طوال الوقت، النضج الحقيقي هو أن يعرف الإنسان متى يتحدث، ولماذا، ومع من، فليست كل المشاعر قابلة للمشاركة؛ وليست كل العلاقات مساحة آمنة للاعترافات النفسية العميقة، بعض الصمت يحمي الإنسان؛ وبعض الكلام ينقذه، والتمييز بين الأمرين يحتاج إلى وعي لا إلى اندفاع عاطفي مؤقت.
كما أن التوازن النفسي لا يتحقق فقط عبر الكلام أو الكتمان؛ بل عبر حسن الاختيار، الإنسان الواعي لا يفتح جروحه أمام كل من يقترب منه؛ وإنما يبحث عن شخص يمتلك القدرة على الإصغاء دون إصدار أحكام، ويفهم معنى الأمان النفسي، ويحترم خصوصية المشاعر الإنسانية، فبعض الكلمات تحتاج إلى قلب ناضج يسمعها؛ لا إلى أذن فضولية تجمع التفاصيل فقط.
كثير من الناس يُوصفون بالكتمان؛ بينما الحقيقة أن بعضهم لا يعاني من الكتمان بقدر ما يعاني من الندم بعد الحديث عمّا بداخله.
لذلك توجد آليات نفسية يمكن للإنسان اتباعها قبل أن يتحدث عن أي مشكلة أو موقف يزعجه.
من المفيد أحيانًا ألّا يندفع الإنسان مباشرة نحو الكلام فور حدوث الموقف؛ بل يشغل نفسه لمدة ساعة بأي نشاط آخر يخفف التوتر الذهني، كالمشي، أو الجلوس في مكان هادئ، أو ممارسة أي نشاط يمنع العقل من الدوران المستمر حول المشكلة، لأن الانفعال اللحظي يجعل الإنسان يتحدث أحيانًا بدافع التفريغ فقط؛ لا بدافع الفهم الواعي لما يريد قوله.
بعد مرور بعض الوقت؛ يمكنه أن يعود للتفكير بالموقف بهدوء أكبر، ويسأل نفسه: هل هذه المشكلة تستحق فعلًا كل هذا الاستنزاف النفسي؟ وهل تستحق أن أكشف بسببها جزءًا حساسًا من داخلي؟ كما يفيد أن ينظر الإنسان إلى الجوانب المكتملة والجيدة في حياته؛ لأن العقل أثناء التوتر يميل إلى تضخيم المشكلة حتى تبدو وكأنها الحياة كلها.
ومن الآليات النفسية المفيدة أيضًا؛ تأجيل اتخاذ أي قرار انفعالي حتى يهدأ التوتر الداخلي، أو محاولة التفريق بين المشكلة الحقيقية وبين المشاعر المؤقتة الناتجة عنها، لأن بعض الأوجاع تخف تلقائيًا عندما يهدأ العقل.
كذلك من الخطأ أن يضع الإنسان رأسه على الوسادة ليلًا وهو غارق في التفكير بالمشكلات؛ لأن العقل قبل النوم يكون أكثر قابلية لتثبيت الأفكار السلبية وربطها بالمشاعر العميقة، مما قد يجعل المشكلة تستمر أيامًا داخل التفكير، وقد تنعكس على شكل قلق أو أحلام مزعجة أو إنهاك نفسي متكرر.
وفي الحالات التي يشعر فيها الإنسان بأن الألم أصبح أكبر من قدرته على الاحتمال، أو حين تتحول المشاعر إلى قلق دائم، أو خوف مستمر، أو إنهاك يعطل حياته اليومية؛ فقد يكون اللجوء إلى المعالج النفسي خطوة أكثر وعيًا من الاستنزاف المستمر في الفضفضة العشوائية، فالمعالج النفسي لا يمنح الإنسان مجرد الاستماع؛ بل يساعده على فهم ذاته، وتحليل مشاعره، وإعادة بناء توازنه النفسي بصورة صحية وآمنة.
لهذا فإن ما يُعرف بـ(الفضفضة) لا يمكن اعتباره سلوكًا آمنًا نفسيًا بصورة مطلقة؛ لأن أثره يعتمد على طبيعة الشخص، وعلى وعيه، وعلى الجهة التي يشاركها مشاعره، وعلى الهدف الحقيقي من هذا الحديث، فقد تكون الفضفضة أحيانًا وسيلة تخفيف مؤقتة؛ وقد تتحول أحيانًا أخرى إلى باب جديد للإنهاك النفسي والانكشاف وفقدان الاتزان الداخلي، الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى الكلام الكثير؛ بل يحتاج أحيانًا إلى الشخص الصحيح الذي يسمعه بوعي، وإصغاء، وأمان.