facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




بين أنياب الإمبريالية ومطرقة الطبقية .. هل انتهى عصر "الدولة-الوطن"؟


شرين الصّغير
22-07-2026 01:04 AM

لا يبدو العالم اليوم كما لو كان يترجل عن خطيئته التاريخية، بل إنه يُعيد إنتاجها بأساليب أكثر دهاءً ودقة، لو راقبنا المشهد الإنساني الراهن بعين الفاحص الفلسفي، لوجدنا أننا لا نعيش مجرد تحولات اقتصادية عابرة، بل نشهد تفتتًا بنيويًا لمفهوم "المواطنة" و"الدولة الجامعة"، إن المآل الذي آلت إليه الشعوب المعاصرة اليوم يقع تحت خطَّي تماس قاتلَين الإمبريالية العابرة للحدود من جهة، والطبقية المفتتة للداخل من جهة أخرى.

ولم تعد الدولة الواحدة تمثل كيانًا متجانسًا يجمع مواطنيه تحت مظلة العقد الاجتماعي الكلاسيكي، بل أضحت مجتمعاتنا منقسمة إلى عالمين لا يلتقيان: "عالم الأغنياء" الذي يمتلك أدوات الإنتاج والتأثير السيادي، و"عالم الفقراء" الذي يُستهلك في دوامة البقاء والتهميش.

أولًا: صدى التاريخ.. الطبقية كداء أزلي

إن انقسام المجتمع إلى فئات تتصارع على الموارد والسيطرة ليس وليد اللحظة، بل هو الجرح الغائر في تاريخ الحضارات، لقد أدرك الفلاسفة القدماء مبكرًا أن تفاوت الثروة الفاحش يمثل القنبلة الموقوتة التي تهدد أركان الأمة.

يخبرنا الحكيم الإغريقي أفلاطون في كتابه الخالد "الجمهورية" بتوصيف شديد الدقة لما نعيشه اليوم، حيث يقول:

"إن أي دولة، مهما صغرت، ليست دولة واحدة، بل هي على الأقل دولتان في حالة حرب مستمرة: دولة الأغنياء، ودولة الفقراء."

وحذر أفلاطون من أن غياب العدالة التوزيعية يحول الحكم إلى "أوليغاركية" (حكم الأقلية الثرية) تضيع معها الكرامة الإنسانية، وجاء تلميذه أرسطو في كتابه "السياسة" ليؤكد أن الطبقة الوسطى هي صمام أمان أي مجتمع، وأن تآكل هذه الطبقة لصالح فجوة فاتكة بين الثراء الفاحش والفقر المدقع هو أولى خطوات الانهيار والاضطراب السياسي.

ولم يكن الفكر الإسلامي ببعيد عن هذا التشخيص، حيث وضع العلامة ابن خلدون في "مقدمته" قواعد العمران البشري، موضحًا أن الجباية الجائرة، واحتكار الثروة في أيدي الفئات المقربة من السلطة، وتهميش عامة الناس يؤدي حتمًا إلى "خراب العمران" و"انقراض الدولة".

ثانيًا: الإمبريالية الحديثة.. من العسكر إلى الاقتصاد المعولم

إذا كانت الطبقية تشكل الخطر الداخلي، فإن الإمبريالية تقف كالغول الخارجي الذي يبتلع سيادة الشعوب، لم تعد الإمبريالية اليوم بحاجة إلى تحريك الجيوش واحتلال الأراضي كما كان الحال في القرنين التاسع عشر والعشرين، بل ارتدت ثوبًا جديدًا ناعمًا ولكنه أكثر قسوة: "الإمبريالية الاقتصادية والتكنولوجية".

في تحليله الشهير أشار كارل ماركس إلى أن الرأسمالية تحمل في بذورها جينًا إمبرياليًا يدفعه الشغف الرافض للحدود بالتوسع المستمر للسيطرة على الأسواق واليد العاملة. وجاء فلاديمير لينين ليصيغ ذلك في مقولته التاريخية "الإمبريالية هي أعلى درجات الرأسمالية".

أما في العصر الحديث، فإن المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي قدم لنا مفهوم "الهيمنة"، موضحًا كيف تصنع القوى الإمبريالية أدوات ناعمة (إعلامية، وثقافية، واقتصادية) تجعل الشعوب المقهورة تتقبل استعبادها وتراه أمرًا طبيعيًا وبديهيًا.

إن المنظمات العابرة للقارات، ومؤسسات التمويل الدولية، والشركات الاحتكارية العملاقة، أصبحت هي القيصر الجديد الذي يملي على الشعوب مقدراتها، ويفرض سياسات التقشف التي تجتث الأمان الاجتماعي من الفقراء لتضخه في حسابات المباشرين للرأسمالية العالمية.

ثالثًا: حين تصبح الدولة "مجتمعَين"

عندما تتلاقى الإمبريالية الخارجية مع الطبقية الداخلية، تنتج ظاهرة خطيرة يُطلق عليها مفكرو مدرسة فرانكفورت وعلم الاجتماع السياسي "تآكل العقد الاجتماعي".
لقد أصبحنا أمام حالة من "الاستعمار الداخلي"، حيث تنفصل نخبة الأغنياء داخل الدولة الواحدة عن واقع مجتمعها، وتلتقي مصالحها ونياتها مع مراكز النفوذ الإمبريالي العالمي، بينما تُترك الطبقات الهشة لمواجهة أزمات التضخم، وغلاء المعيشة، وتراجع خدمات التعليم والصحة.


يقول الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو في كتابه "العقد الاجتماعي":
"إن القوانين تكون دائمًا مفيدة لأولئك الذين يملكون، وضارة بالذين لا يملكون شيئًا، ومن ثم فإن الحالة الاجتماعية لا تكون مفيدة للبشر إلا إذا كان كل منهم يملك شيئًا، ولا أحد منهم يملك أكثر من اللازم."

إن التحدي الأكبر الذي يواجه الشعوب اليوم هو أن الإمبريالية الحديثة نجحت في تحويل الفقر من "مشكلة سوسيولوجية" تطلب العلاج، إلى "أداة للسيطرة والتحكم"، حيث يُشغل الفرد بلقمة العيش اليومية حتى يستحيل عليه التفكير في حقوقه السياسية والمواطنة الفاعلة.

في أمل الاستعادة والتفكير الناقد
إن مآل الشعوب تحت وطأة التناقضات الطبقية والإمبريالية ليس قدرًا محتومًا لا ينفك، بل هو نتاج منظومة بشرية تم إرساؤها ويمكن تفكيكها.

إن الخروج من هذه الشرنقة يتطلب إعادة الاعتبار للفكر الناقد، وتفعيل الوعي الجمعي، والعودة إلى مفهوم "الدولة الوطنية الرعائية" التي تتأسس على العدالة التوزيعية وتعتبر الإنسان قيمتها العليا، لا مجرد رقم في معادلات النمو المالي، وكما قال الفيلسوف الألماني فريدريك هيجل: "تاريخ العالم ليس إلا تقدم الوعي بالحرية"، ولن تتحقق هذه الحرية ما لم تتحرر الشعوب من إمبريالية الخارج وطبقية الداخل.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :