في بعض اللحظات.. لا تبدأ الحروب بصوت الرصاص.. ولا تنتهي بتوقيع الاتفاقات.. بل تولد في جملة.. وتكبر في تصريح.. وتتحول إلى مسار كامل لا يُرى إلا لمن يُحسن قراءة ما بين السطور.. هناك.. حيث لا يجلس المتفاوضون حول طاولة.. بل أمام الكاميرات.. وتحت أضواء لا تكشف الحقيقة.. بل تعيد تشكيلها..
مفاوضات الإعلام ليست استعراضاً.. وليست ارتجالاً.. بل هي ساحة موازية.. تُدار فيها المعارك بهدوءٍ صاخب.. تحتاج إلى عقل يرسم المسار.. وإلى وجوه قادرة على حمل الرسائل.. دون أن تبدو رسائل.. إلى من يتقن اختيار الكلمة.. وتوقيت الصمت.. وإلى من يعرف كيف يحول تغريدة إلى ضغط.. وتصريح إلى اختبار.. وتسريب إلى فخ..
في هذا النوع من التفاوض.. لا يكفي أن تكون صادقاً.. بل يجب أن تكون محسوباً.. ولا يكفي أن تقول ما تريد.. بل أن تقول ما يُراد أن يُفهم.. وما يُراد أن يُساء فهمه أيضاً.. لأن جزءاً من اللعبة.. يقوم على خلق ارتباكٍ مقصود.. يجعل الخصم يتردد.. ويتراجع.. أو يخطئ التقدير..
وهنا تحديداً.. يبرز نموذج ترمب.. الذي لا يمكن فهمه من زاوية الفوضى وحدها.. ولا من زاوية الانضباط الكامل.. بل من تلك المساحة.. التي يلتقي فيها الأسلوب الشخصي مع العقل المؤسسي لدولة مثل أمريكا.. حيث لا تُترك القرارات الكبرى للصدفة.. ولا تُصاغ الكلمات بلا غاية..
ترمب.. لا يتحدث فقط.. بل يختبر.. يرسل إشارات متناقضة في ظاهرها.. متماسكة في جوهرها.. وما تراه من انتقال سريع بين نبرة التهديد.. ونبرة التفاؤل.. ليس تبدلاً حقيقياً.. بقدر ما هو توزيع أدوار داخل الرسالة نفسها.. رسالة تحمل أكثر من وجه.. واحد يُقال للخصم.. وآخر يُطمئن الحلفاء.. وثالث.. وهو الأخطر.. يُلقى للرأي العام ليعيد تفسيره بطريقته.. ثم يُبنى على هذا التفسير سلوك سياسي كامل..
حين يقول شيئاً يبدو كتنازل.. فهو لا يقدم التنازل فعلياً.. بل يفتح باباً نفسياً.. يختبر مدى استعداد الطرف الآخر للدخول.. يراقب رد الفعل.. يقيس درجة الثقة أو الشك.. ثم.. وفي التوقيت ذاته تقريباً.. يعود بنبرة أكثر حدة.. ليغلق الباب جزئياً.. وكأنه يهمس بما لا يقال.. الفرصة ليست مجانية.. هنا.. لا يكون التناقض ضعفاً.. بل أداة شد وجذب.. تُبقي الخصم في حالة قلقٍ دائم.. وتحرمه من مساحة التوقع..
ولأن الدولة هناك ليست فرداً.. فإن ما يقال لا يتحرك في فراغ.. بل ضمن خطوط عريضة ترسمها المؤسسات.. تحدد الاتجاه.. وتضع الحدود.. ثم تترك للرئيس هامش الحركة.. في الأسلوب.. في النبرة.. في إدارة المشهد أمام العالم.. هنا.. لا تُلغى شخصية القائد.. بل تُستخدم.. ولا يُترك له الحبل على الغارب.. بل يعطى مساحة محسوبة يتحرك فيها..
وهذا ما يغفله كثيرون.. حين يختزلون المشهد في فكرة الزعيم الفوضوي.. فيبنون تحليلاتهم على ظاهر القول.. لا على سياق الفعل.. بينما الحقيقة.. أن ما يبدو تناقضاً.. قد يكون توزيع أدوار.. وما يبدو ارتباكاً.. قد يكون إعادة تموضع.. وما يبدو تنازلاً.. قد يكون رفعاً لسقف التفاوض بطريقة غير مباشرة..
إن أخطر ما في مفاوضات الإعلام.. أنها لا تكتفي بإدارة اللحظة.. بل تصنع واقعاً موازياً.. قد يجبر الأطراف لاحقاً على الالتزام به..
والامر المهم أيضا.. أن مفاوضات الإعلام.. متابعة من قبل مواطني الاطراف.. وتكون رسائل مبطنة ومدروسة لهم.. فالجمهور جزء من التفاوض في هكذا مواقف..
فحين يُعلن مسؤول موقفاً متشدداً أمام الكاميرا.. قد يجد نفسه أسيراً له.. غير قادر على التراجع دون أن يبدو ضعيفاً.. وهنا.. تصبح الكلمة التي قيلت للإعلام.. أقوى من أي ورقة تفاوض خلف الأبواب المغلقة..
إنها لعبة لا تُخاض لإقناعك.. بل لاستخدامك.. لقياسك.. لتوجيهك.. ولتهيئة مسرح نفسي.. يسبق القرار السياسي.. وحين يدرك الخصم.. أنه لا يستطيع توقع الخطوة القادمة.. يكون قد خسر نصف المعركة.. حتى لو لم تبدأ بعد..
وحتى نفهم الأمر.. هذه المفاوضات لا تُقرأ بما قيل.. بل بما أُريد له أن يُفهم.. ولا تُفهم من تصريح واحد.. بل من النسيج الكامل للتصريحات.. حيث تختبئ الحقيقة.. لا في وضوح العبارة.. بل في تناقضها..