facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




المواطن الجديد والحكومات


د. صالح سليم الحموري
05-04-2026 08:37 AM

هل ما زالت الحكومات تفهم من "المواطن"؟ ليس السؤال بسيطًا كما يبدو. لأن ما يتغير اليوم ليس فقط شكل الخدمات أو أدوات العمل، بل الإنسان نفسه. نحن لا نعيش مرحلة تطوير إداري، بل لحظة تحوّل في طبيعة المواطن: كيف يفكر، ماذا يتوقع، وكيف يرى علاقته بالدولة.

لقد بُنيت معظم الحكومات على افتراضات مستقرة: مواطن ينتظر، يتكيف، ويقبل بما يُقدَّم له ضمن إطار زمني وإجرائي محدد. لكن هذا المواطن لم يعد موجودًا. ما يتشكل اليوم هو "المواطن الجديد"—إنسان معزّز بالتقنية، سريع الإيقاع، عالي التوقعات، لا يرى نفسه متلقيًا للخدمة، بل شريكًا في تصميمها.

هذا التحول لم يأتِ من فراغ. ففي افتتاح القمة العالمية للحكومات، طرح معالي محمد عبدالله القرقاوي رؤية عميقة مفادها أننا لم نعد أمام أدوات جديدة فحسب، بل أمام أربع قوى كبرى تعيد تشكيل الإنسان ذاته: ذكاءٌ اصطناعي لم يعد مجرد وسيلة، بل شريكًا في التفكير؛ وطبٌّ متقدم يطيل العمر الصحي ويعيد رسم دورة الحياة؛ وعلومُ دماغٍ تفتح أبوابًا جديدة لفهم التعلم والإدراك؛ وبيئاتٌ رقمية توسّع الوجود الإنساني، وتمنح الإنسان صورًا جديدة للحضور والتفاعل والتأثير.

لكن الخطأ الذي تقع فيه بعض الحكومات ليس في تجاهل هذه القوى، بل في سوء فهمها. فهي تتعامل معها كأدوات لتحسين الكفاءة، بينما جوهرها أعمق: إنها تعيد تعريف الإنسان الذي صُممت الحكومات لأجله.

المواطن الجديد لا ينتظر، فهو يقارن تجربته الحكومية بتجربته مع التطبيقات الخاصة. لا يقيس جودة الخدمة بسرعة الإنجاز فقط، بل بسهولة الوصول، ووضوح المسار، وشعوره بالاحترام. لم يعد يقبل أن يُطلب منه فهم النظام، بل يتوقع من النظام أن يفهمه.
وهنا تبدأ الفجوة.

حين تُنقل الإجراءات الورقية إلى منصات رقمية دون إعادة تصميم، تظهر "بيروقراطية إلكترونية" جديدة، كما أشرنا سابقًا في . فيشعر المواطن أنه لم ينتقل من التعقيد… بل دخل نسخة رقمية منه. المشكلة ليست في التقنية، بل في العقل الذي يستخدمها.

والمواطن الجديد لا يبحث عن خدمة فقط… بل عن معنى، فهو يريد أن يفهم لماذا تُتخذ القرارات، وكيف تؤثر عليه، وما القيم التي تحكمها. وهنا يظهر التحدي الأعمق: لم تعد الحكومات تُقاس بقدرتها على الإدارة، بل بقدرتها على بناء الثقة.

والثقة لا تُبنى بالسرعة وحدها، بل بالعدالة، والشفافية، والشعور بأن الإنسان في مركز المعادلة.

في عالم تُشارك فيه الخوارزميات في اتخاذ القرار، يصبح السؤال أكثر حساسية: من يحدد القيم؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ كما ناقشنا في فكرة "أتمتة التفكير" ، فإن القرار قد يُدعَم بالآلة، لكنه لا يمكن أن يُسلَّم لها بالكامل. لأن ما يتعلق بالناس لا يُختزل في بيانات فقط.
لهذا، فإن التحدي الحقيقي أمام الحكومات ليس رقميًا… بل إنساني.

أن تعيد تصميم نفسها حول إنسان يتغير بسرعة.

أن تنتقل من منطق "إدارة الطلب" إلى "توقع الاحتياج".

من خدمات موحدة إلى تجارب شخصية.

من مؤسسات مغلقة إلى منصات مفتوحة تشاركية.

ومن بيروقراطية تحكمها الإجراءات… إلى حكومات تقودها القيم.

فكل تحول حضاري أعاد تشكيل الحكومات: من الزراعة إلى الصناعة، ومن الكهرباء إلى الإنترنت. واليوم، مع تغير الإنسان نفسه، نحن أمام إعادة تعريف للحكومة كفكرة، لا كمؤسسة فقط.

السؤال لم يعد: كيف نطوّر الخدمات؟

بل: هل ما زلنا نفهم الإنسان الذي نخدمه؟

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث… ليس أن تتأخر الحكومات عن التكنولوجيا،

بل أن تتأخر عن المواطن نفسه.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :