في أحد الشعانين .. حين تزهر القلوب بالإيمان وتلتقي الإنسانية بالمحبة
أ.د احمد منصور الخصاونة
05-04-2026 03:53 PM
في الأعياد، لا نهنّئ فقط… بل نُجدّد إيماننا العميق بالإنسان، ذلك الكائن الذي خُلق ليعمر الأرض بالمحبة، ويصنع من اختلافه ثراءً، ومن تنوّعه جمالًا، ومن قيمه المشتركة جسرًا يعبر به نحو السلام.
إلى إخوتنا المسيحيين، تأتي هذه المناسبة المباركة حاملةً في طياتها معاني تتجاوز حدود الطقوس والاحتفالات، لتلامس جوهر الرسالة الإنسانية التي نتقاسمها جميعًا. إنها لحظة تأمل جماعي، نستعيد فيها المعنى الحقيقي للوجود المشترك، حيث تتقاطع القيم وتتوحد الغايات، وحيث يصبح الخير لغةً يفهمها الجميع دون ترجمة.
في هذا العيد، لا تُختصر التهاني بكلمات تُقال، بل تمتد لتكون تعبيرًا صادقًا عن محبة راسخة، وعن رجاءٍ لا يخبو مهما اشتدت التحديات، وعن نورٍ داخلي يرفض الانطفاء. هو نور الإيمان بالإنسان، بقدرته على التسامح، وعلى تجاوز الجراح، وعلى بناء عالم أكثر عدلًا ورحمة.
ليست الأعياد مجرد محطات زمنية نمرّ بها في تقويم الحياة، بل هي محطات وجدانية نقف عندها لنراجع أنفسنا، ونعيد ترتيب أولوياتنا، ونُجدّد العهد مع القيم التي تمنح الحياة معناها الحقيقي. ففي لحظات الفرح الصادق، تتجلى أسمى صور الإنسانية، وتظهر القدرة على التلاقي رغم كل الفوارق، وعلى التآلف رغم كل التحديات.
إن الرسالة الأعمق التي تحملها هذه الأعياد تكمن في تذكيرنا بأن الخير هو الأصل، وأن الإنسان بطبيعته يميل إلى الرحمة، وأن القلوب حين تتصافى، تُزهر الدنيا سلامًا لا يُشبهه شيء. من هنا، يصبح العيد مناسبة لتجديد الإيمان بأن التسامح ليس خيارًا ثانويًا، بل ضرورة إنسانية، وأن التعايش ليس مجرد شعار، بل ممارسة يومية تعكس وعي المجتمعات ونضجها.
وفي وطننا العزيز، الأردن، تتجلى هذه المعاني بأبهى صورها. فقد كان، وما يزال، نموذجًا حيًا للتآخي والتعايش، حيث تتجاور المساجد والكنائس، لا كرمزٍ عمراني فحسب، بل كدلالة عميقة على وحدة النسيج الوطني، وعلى أن الاختلاف الديني لم يكن يومًا سببًا للفرقة، بل مصدرًا للغنى والتكامل.
إن الحفاظ على هذا النموذج مسؤولية جماعية، تتطلب وعيًا مستمرًا بأهمية الوحدة، وإدراكًا بأن قوة المجتمعات تكمن في تماسكها، وفي قدرتها على تحويل تنوعها إلى عنصر قوة. ومن هنا، فإن الدعاء بأن يبقى الأردن سالمًا معافى، آمنًا مطمئنًا، ليس مجرد أمنية، بل تعبير عن إدراك عميق لقيمة الاستقرار، وأهمية الحفاظ عليه في عالم يموج بالاضطرابات.
ولا يمكن الحديث عن هذه المناسبة دون استحضار القدس، تلك المدينة التي تختزل في وجدانها معاني القداسة والتاريخ والإنسانية. القدس ليست مجرد مكان، بل رمزٌ حيّ للتلاقي الروحي، حيث تتعانق المآذن مع الأجراس، وتلتقي الرسالات في فضاء واحد. إن الحفاظ على قدسيتها، ورعاية مقدساتها، مسؤولية أخلاقية وإنسانية قبل أن تكون سياسية، لأنها تمثل إرثًا مشتركًا للبشرية جمعاء.
كما تمتد هذه الروح لتشمل مدنًا أردنية وعربية عريقة مثل عمّان ومادبا وبيت لحم، حيث يتجسد التاريخ في تفاصيل الحياة اليومية، وحيث يلتقي الماضي بالحاضر في لوحة إنسانية فريدة، تؤكد أن هذه الأرض كانت دائمًا أرض لقاء لا صراع، وأرض محبة لا كراهية.
وفي عالمنا المعاصر، الذي يواجه تحديات متزايدة على مختلف الأصعدة، تصبح الحاجة إلى استحضار هذه القيم أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فالأمن، والرفاه، والطمأنينة، ليست امتيازات لفئة دون أخرى، بل حقوق أساسية لكل إنسان، بغض النظر عن دينه أو معتقده أو خلفيته.
من هنا، فإن الدعاء بأن تنعم البشرية جمعاء بهذه النعم، هو دعاء يتجاوز الحدود، ويعكس إيمانًا حقيقيًا بوحدة المصير الإنساني. فالعالم، رغم اتساعه، أصبح أكثر ترابطًا، وأي خلل في مكان ما، ينعكس أثره على الجميع. ولذلك، فإن بناء عالم أكثر أمنًا واستقرارًا يتطلب تضافر الجهود، وتعزيز ثقافة الحوار، ونبذ كل أشكال التعصب والإقصاء.
وفي ختام هذه المناسبة، تبقى الرسالة الأهم هي أن الأعياد ليست فقط لحظات فرح عابرة، بل فرص حقيقية لإعادة اكتشاف إنسانيتنا، وتعزيز روابطنا، وتجديد التزامنا بالقيم التي تجعل من هذا العالم مكانًا أفضل.
كل عام وأنتم بخير… وكل عام وأنتم نورٌ يضيء دروب المحبة، وجسرٌ يعبر بنا نحو إنسانية أوسع، وعالمٍ يسوده السلام.