facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




يوم العلم: حين تتحول الرمزية إلى وعي وطني راسخ


أ.د. أحمد منصور الخصاونة
18-04-2026 09:21 AM

ليس يوم العلم موعدًا عابرًا في رزنامة المناسبات، ولا هو طقس احتفالي تُستعاد فيه الألوان لبرهة ثم تُطوى. إنه لحظة وعيٍ جماعي، تتجدد فيها الحكاية الأردنية بكل ما فيها من معنى وذاكرة ومسؤولية. ففي كل مرة يرتفع فيها العلم، لا يرتفع قماشٌ ملوّن فحسب، بل ترتفع معه سيرة وطنٍ صاغ نفسه بالصبر، وبنى مكانته بالاعتدال، وكتب حضوره بالفعل لا بالادعاء.

إنه اختزال بصري لمسار طويل من التأسيس والبناء؛ فالألوان التي ترفرف ليست مجرد رموز، بل طبقات من التاريخ والمعنى، تحكي عن تضحياتٍ صامتة، وجهودٍ متراكمة، وخياراتٍ واعية حافظت على تماسك الدولة وسط إقليمٍ لا يعرف الثبات. هو رايةٌ تختصر قصة الاستمرار في زمن الانقطاعات، وقصة التوازن في محيطٍ تميل فيه الكفّات سريعًا.

وحين نقف أمام العلم، فإننا لا نقف أمام رمزٍ جامد، بل أمام مرآةٍ تعكس صورة الدولة كما ينبغي أن تكون: سيادةٌ مصانة، ومؤسساتٌ قائمة، ومجتمعٌ متماسك رغم تنوعه. هو إعلان يومي بأن هذا الكيان لم يُبنَ على الصدفة، ولم يستمر بالحياد، بل بالاختيار الدائم لطريق الاستقرار، مهما كانت كلفته.

ويوم العلم، بهذا المعنى، ليس استعادةً للماضي فحسب، بل هو تجديدٌ للعقد غير المكتوب بين الدولة وأبنائها؛ عقد يقوم على أن الانتماء ليس مجرد شعور، بل التزام، وأن المواطنة ليست هوية تُحمل، بل مسؤولية تُمارس. فكما يرتفع العلم في الساحات، ينبغي أن يرتفع في السلوك، في احترام القانون، في أداء الواجب، وفي صون صورة الوطن من أي عبث أو تشويه.

وإذا كان العلم يوحّد الألوان في شكلٍ واحد، فإنه يذكّر أيضًا بأن قوة الأردن كانت دومًا في قدرته على تحويل التعدد إلى انسجام، لا إلى تناقض، وعلى إدارة الاختلاف ضمن إطار جامع لا يُقصي ولا يُذيب. ومن هنا، فإن الالتفاف حول العلم ليس اصطفافًا شكليًا، بل تعبير عن وعيٍ مشترك بأن هذا الوطن، بكل ما فيه، يستحق أن يُحفظ، وأن يُصان، وأن يُقدَّم دائمًا بصورة تليق به.

إنها لحظة تتجاوز الرمز إلى المعنى، وتتجاوز الاحتفال إلى المسؤولية، وتعيد تعريف العلاقة بين الإنسان ووطنه: ليس بوصفه مكانًا يعيش فيه، بل كيانًا يعيش من أجله.

بالأمس، وفي مشهد قد يبدو بسيطًا لمن يمرّ به سريعًا، لكنه بالغ العمق لمن يتأمله، كان الأطفال في ساحات المدارس يرتدون اللباس الوطني، وآخرون يتقمصون هيئة الجندي ورجل الأمن، يلوّحون بالأعلام ببراءة وفخر. لم يكن ذلك مجرد تمثيل عفوي، بل كان درسًا حيًا في الانتماء، يُغرس في الوجدان قبل أن يُفهم بالعقل. هناك، في تلك اللحظات الصغيرة، تتشكل الملامح الأولى للمواطنة، ويبدأ الإدراك بأن لهذا الوطن وجهًا يجب أن يُحفظ، وقيمةً يجب أن تُصان.

فالهوية الوطنية لا تولد فجأة، ولا تُمنح بقرار، بل تتكون عبر تراكم طويل من الرموز والمعاني والتجارب. تبدأ من البيت، وتترسخ في المدرسة، وتتجلى في السلوك اليومي، حتى تصبح جزءًا لا ينفصل عن الذات. وحين تكون الهوية واضحة، لا تحتاج إلى صخب لتُثبت وجودها، بل يكفي أن تُمارس بثقة وهدوء.

لقد كان الأردن، منذ نشأته، أكثر من مجرد دولة ضمن حدود جغرافية؛ كان فكرةً إنسانيةً متقدمة، تقوم على التوازن بين الواجب الوطني والالتزام الأخلاقي. فتح أبوابه للأشقاء، واحتضن من لجأ إليه هربًا من القسوة والاضطراب، دون أن يتخلى عن ثوابته أو يساوم على استقراره. من فلسطين إلى سوريا، ومن العراق إلى اليمن وليبيا ولبنان، كان الحضور الأردني حاضرًا في لحظة الحاجة، لا بصفته طرفًا، بل بصفته ملاذًا.

غير أن هذا الدور الإنساني، بكل ما فيه من نُبل، لا يعني أن الهوية الأردنية قابلة للذوبان أو التآكل. على العكس، لقد أثبتت التجربة أن الهوية التي تستند إلى قيم راسخة، تزداد قوة كلما اختُبرت، وتترسخ كلما انفتحت بثقة. فالأردن لم يخسر نفسه حين استقبل الآخرين، بل أكد ذاته، وقدم نموذجًا لدولة تعرف كيف توازن بين إنسانيتها وسيادتها.

ومن هنا، فإن إبراز الهوية الوطنية ليس ترفًا فكريًا، ولا خطابًا انفعاليًا، بل ضرورة لحماية هذا التوازن الدقيق. فالهويات التي لا تُصان تبهت، والدول التي لا تُعرّف نفسها بوضوح، تُترك عرضة للتأويل والارتباك. والهوية الأردنية، بما تحمله من تاريخ ورمزية، تستحق أن تُروى كما هي، وأن تُمارس كما يجب، دون مبالغة ودون تراجع.

وليس من العدل، بأي حال، أن يُفهم الكرم الأردني على أنه ضعف، أو أن يُفسر الانفتاح على أنه تخلٍ. فالأردني، الذي فتح بيته وقلبه، لم يفعل ذلك على حساب نفسه، بل انطلاقًا من منظومة قيمية راسخة، ترى في الإنسان قيمة، وفي المروءة واجبًا. غير أن هذه المعادلة لا تكتمل إلا بطرفيها؛ فكما أن للأردن فضل الاحتضان، فإن من الطبيعي أن يُقابل ذلك بالاحترام، والالتزام بالقانون، والتقدير الصادق.

وفي المحصلة، تبقى الحقيقة الأهم أن الهوية لا تُقاس بالأصل، بل بالفعل. ليست سؤالًا عن “من أين أتيت؟” بقدر ما هي جواب عن “كيف تعيش؟”. هي التزام قبل أن تكون انتسابًا، وسلوك قبل أن تكون شعارًا. وفي الأردن، أثبتت الغالبية الساحقة من أبنائه، على اختلاف جذورهم، أن الانتماء الحقيقي يُبنى بالعمل، ويُثبت بالمسؤولية، ويُحفظ بالاحترام.

يوم العلم، إذن، ليس مجرد ذكرى، بل مرآة نرى فيها أنفسنا كما يجب أن نكون. هو تذكير بأن هذا الوطن، الذي صمد في وجه التحولات، واستمر رغم التحديات، إنما يفعل ذلك بهوية واضحة، وقيم ثابتة، وشعب يعرف معنى أن يكون أردنيًا.

وفي زمنٍ تتداخل فيه الهويات وتضطرب فيه المعايير، يبقى العلم الأردني ثابتًا في مكانه، لا لأنه لا يتأثر بالرياح، بل لأنه يعرف جيدًا إلى أين ينتمي.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :