فزعة الغرابيل… وتحول الأقلام إلى صدى صوت
محمد مطلب المجالي
18-04-2026 09:48 AM
في كل محطةٍ عابرة، ومع كل حدثٍ يُلقى في ساحة الرأي العام، تتكرّر الحكاية ذاتها؛ أقلامٌ تندفع بلا تمهّل، تكتب قبل أن تتبيّن، وتحكم قبل أن تتحقّق، وكأن الغاية ليست الوصول إلى الحقيقة، بل مجاراة الموجة أياً كان اتجاهها. هنا، لا يعود القلم مرآةً للوعي، بل يتحوّل إلى صدى صوت يردّد ما يُقال، لا ما يجب أن يُقال.
إنها فزعة الغرابيل… حالةٌ يُعاد فيها “فرز” المواقف على أساس الهوى، لا على أساس الدليل. فكلٌّ ينخل الحدث بطريقته، فيُبقي ما ينسجم مع قناعته، ويُسقط ما سواه، حتى يغدو المشهد مشوّهًا، لا يُرى فيه إلا ما يُراد له أن يُرى.
وفي خضمّ هذا الاندفاع، ينقسم الناس بين مؤيدٍ ومعارض، لا عن معرفة، بل عن اصطفاف. تختفي المساحة الرمادية التي تحتمل التفكير، ويغيب السؤال المشروع: هل ما يُتداول صحيح؟ وهل ما يُكتب يستند إلى حقيقة أم إلى انطباع عابر؟
النتيجة؟
وقتٌ يُهدر، وجهدٌ يُستنزف، ووعيٌ يُغيَّب. تتحول الساحات إلى منابر للتسحيج أو ساحات للتجريح، وتُرفع شعارات وطنية للاستهلاك، لا للتعبير الصادق. وفي هذا كله، لا تُبنى فكرة، ولا تُصان قيمة، بل يُعاد إنتاج الفراغ بصورةٍ أكثر ضجيجًا وأقلّ مضمونًا.
إن أخطر ما في هذا التحول، أن القلم يفقد استقلاله، ويتخلى عن مسؤوليته. فبدل أن يكون أداة نقدٍ وتمحيص، يصبح تابعًا للتيار، يردّد صداه، ويكتفي بدور الناقل لا المفكّر. وهنا، لا يعود الكاتب صانع رأي، بل مجرد صدى يتلاشى مع أول تبدّل في الاتجاه.
الوطن لا يُخدم بفزعاتٍ موسمية، ولا بأقلامٍ تُسخّر لحظة الانفعال. الوطن يحتاج إلى كلمةٍ موزونة، تُكتب بعينٍ فاحصة، وعقلٍ حاضر، وضميرٍ لا يُساوم. يحتاج إلى من يُنير الطريق، لا من يزيده التباسًا.
ختامًا،
حين تستعيد الكلمة معناها، ويعود القلم إلى رسالته، ويتقدّم العقل على الاندفاع، عندها فقط يمكن أن نغادر دائرة “فزعة الغرابيل” ونكسر حالة “صدى الصوت”… لنصل إلى فضاءٍ أرحب، حيث تُصان الحقيقة، ويُحترم الوعي، ويُبنى الرأي على أساسٍ لا تهزّه الرياح.