من قلب النار إلى ذاكرة الوطن .. سلمي أبو عكفان الأحيوات سيرة رجل ترك الاثر بصمت
محمد فهد الشوابكة
18-04-2026 11:26 AM
الصمت وحده كان كافيًا ليقول كل شيء.
فملامح رجلٍ بدوي يتمتع بصلابة داخله كصلابة صحراء سيناء الممتدة بعز وكبرياء مستمد من شموخ مصر الحبيبة... فلامحه التي تبدو عادية في ظاهرها، وحديثٌ يمرّ بهدوء، لم يكونا يومًا مؤشرًا على حجم الأثر الذي يتركه خلفه.
ومن هنا، وفي تلك المسافة الدقيقة بين ما يُقال وما لا يُقال، بدأت تتشكل حكاية سلمي أبو عكفان الأحيوات، لا كقصة تُروى، بل كتجربة تُفهم وتبقى.
فلم يكن حضوره صاخبًا، بل على العكس، اختار أن يكون بعيدًا عن الواجهة.
ومع ذلك، فإن من عرفه يدرك أن ما يُقال عنه أقل بكثير مما كان عليه، بينما يكفي من لم يعرفه أن يفهم أنه لم يكن يبحث عن أن يُرى، بل عن أن يفعل.
وفي سياقٍ اعمق في صحراء سيناء، حيث لا تُمنح الحكايات بسهولة بل تُنتزع من قلب الخطر، بدأت فصول من واقعٍ لا يشبه ما يُكتب.
فهناك، حيث الريح أعلى من كل صوت، وحيث الخطأ لا يُغتفر، لم ينتظر سلمي أن يُطلب منه الواجب، بل بادر إليه، متقدمًا على اللحظة نفسها.
ورغم أنه لم يكن جنديًا بزي رسمي، إلا أنه كان جبهة كاملة تتحرك بصمت.
إذ كان يعرف الصحراء كما يعرف الإنسان ملامح وجهه، ويتحرك فيها بثقة من يفهم قوانينها غير المكتوبة.
بل وأكثر من ذلك، لم تكن الرمال بالنسبة له مجرد مكان، وإنما كيان حي يراقب ويختبر ويمنح المرور لمن يستحقه.
ومن هذا المنطلق، لم تكن المعركة تقليدية، بل كانت المعلومة هي جوهرها.
وعليه، لم يكن الوصول إليها مهمة عادية، وإنما اختبارًا دقيقًا للقدرة على الحضور دون أن تُرى.
وهنا تحديدًا، برز سلمي...
فهو لم يحمل سلاحًا ظاهرًا، لكنه حمل ما هو أخطر: المعرفة، الجرأة، والقدرة على اتخاذ القرار في اللحظة التي لا تحتمل التردد...
ولهذا، كان يدخل أماكن لا يُفترض أن يُغادرها أحد، يرصد ويحفظ ويعود، وكأن الصحراء نفسها تفتح له طريقًا خاصًا ثم تُغلقه خلفه.
ورغم أن كل مهمة كانت احتمالًا أخيرًا، وكل خطوة مقامرة بالحياة، إلا أنه لم يتعامل معها كبطولة.
بل على العكس، كان يراها يومًا عاديًا يجب أن يُنجز، وهو ما يكشف عن عمق نظرته للأشياء، وبعده عن أي تضخيم أو ادعاء
ومن جهة أخرى، ورغم أنني لم أعش تلك اللحظات كما عاشها هو، إلا أنني عشتها من خلاله
فمن طريقته في السرد، ومن ذلك الهدوء الذي كان يسبق كلماته، بدا واضحًا أن ما يُقال ليس رواية، بل حياة تُعاد بصوت خافت.
كما أنه كان يفتح نافذة على عالمٍ مرّ به وحده، ثم يشاركه دون ضجيج، وكأن التفاصيل لا تحتاج إلى إثبات.
ولعل اللافت أكثر، أنه كان يتحدث عن الصحراء وكأنها كائن حي، وعن الأيام الصعبة كأنها محطات عابرة لا تستحق التوقف.
فلا مبالغة، ولا تضخيم، ولا محاولة لإقناع أحد بعظمة ما فعل؛
بل كان يميل إلى التقليل من شأن كل شيء، وكأن البطولة الحقيقية لا تُقال، بل تُعاش.
ومع ذلك، فإن ما كان يبقى بعد حديثه لم يكن التفاصيل، وإنما المعنى
إذ كان يقول:
"إحنا ما كنا نحسبها ربح وخسارة… كنا نحسبها كرامة"
ثم يضيف، في اختصارٍ عميق للتجربة:
"اللي يعيش لنفسه يعيش صغير… واللي يعيش لوطنه، حتى لو غاب، يظل كبير"
وحين سُئل عن كل ما مرّ به، اكتفى بابتسامة هادئة وقال:
"إنتو بتشوفوها قصة كبيرة… إحنا كنا شايفينها يوم عادي لازم نعدّيه"
ثم أردف:
"المهم إن الواحد يعرف ليش بيمشي، مش وين بيوصل"
وهنا تحديدًا، تتجلى فلسفته في أبسط صورها وأعمقها، إذ لم تكن كلماته خطابات، بل خلاصات تجربة خرجت من واقعٍ عاشه، لا من ذاكرةٍ تُستعاد.
وبالانتقال إلى جذوره، فإنه ينتمي إلى عشيرة الأحيوات، تلك العشيرة الراسخة كالشجرة الباسقة التي لا تُطال في صحراء سيناء، العشيرة المنتمية الى مصر الحبيبة العاشقة لارضها.. والتي لم تكن يومًا بعيدة عن واجبها، فقد أنجبت رجالًا يدركون أن الأرض لا تُحفظ بالكلام، بل بالمواقف.
غير أنه، ورغم هذا الامتداد، ظل حالة خاصة، ليس فقط بما فعل، بل بالطريقة التي عاش بها ما فعل.
وعند لحظة الرحيل، في عام 2024، غاب سلمي أبو عكفان الأحيوات عن المشهد...
غير أن الغياب هنا لم يكن نهاية حضور، بل تحوّل إلى شكلٍ آخر منه، حيث غاب الجسد وبقي الأثر أكثر رسوخًا
لقد رحل كما عاش، بصمتٍ لا يستعرض نفسه، لكنه يترك فراغًا لا يمكن تجاوزه، ذلك لأن الرجال من هذا النوع لا يمرّون مرورًا عابرًا، بل يتركون ما هو أعمق من الحضور ذاته.
ورغم أن قصته لم تُكتب في واجهات الأخبار، ولم تُمنح له أوسمة تليق بما قدّم، إلا أن ذلك لم يُغيّر من حقيقة ثابتة، وهي أن قيمته لم تكن يومًا بحاجة إلى اعتراف.
ومن هنا، لم يتحول بعد رحيله إلى مجرد ذكرى، بل إلى فكرة حيّة؛
فكرة تُعيد تعريف الإنسان بمعياره الحقيقي، حيث يُقاس بما يتركه من أثر، لا بما يُقال عنه.
وبالتالي، لم يكن استثناءً في حياته بقدر ما كان استثناءً في أثره.
أثرٌ هادئ لكنه ثابت، يظهر كلما استُعيدت القيم الأصيلة: الكرامة حين تُختبر، الصدق حين يصبح مكلفًا، والثبات حين لا يبقى إلا الموقف.