إقليم مضطرب… إعادة تشكيل القوة
د. اسامة تليلان
20-04-2026 09:41 AM
ما يجري في الإقليم تجاوز فكرة الصراع على توازن القوة إلى مسار يتجه نحو إعادة تشكيلها. ولم يعد السؤال متى ينتهي هذا الصراع، وإنما أين سيتوقف.
فالتوازن يقوم على معادلة تضبطها قواعد واضحة بين الأطراف، بينما تشير التطورات إلى محاولة تغيير هذه القواعد وإعادة توزيع القوة داخلها.
كما أن أهداف الصراع لم تعد محصورة في حدودها الإقليمية، مع تقاطعها مع اعتبارات إقليمية ودولية تمتد إلى معادلات الطاقة وتوازناتها، في سياق تتداخل فيه المصالح والتحالفات.
في إقليم مضطرب، تتحرك إسرائيل في هذه المرحلة لتكريس تفوقها الإقليمي، عبر تقليص مصادر القوة وأدوات النفوذ لدى خصومها، في مسار يمتد من إضعاف برامجها العسكرية إلى إنهاء الجغرافيا المرتبطة بأدوات نفوذها من غزة إلى جنوب لبنان.
في المقابل، وتحت معادلة ضاغطة تفرضها الشروط الأمريكية، تتحرك إيران - على عكس طموحاتها في التفوق - للحفاظ على التوازن، من خلال تثبيت أدوات نفوذها وتوظيف ممرات الطاقة ومصادر إنتاجها كوسائل لتحقيق هذا الهدف.
وبين طرف يعيد صياغة قواعد القوة في الإقليم، وآخر يتحرك لمنع تغييرها، تدير الولايات المتحدة أهدافها عبر هذا التباين ضمن معادلة أوسع، تقوم على ضبط توازنات الطاقة والتأثير الاقتصادي العالمي.
بذلك يتقاطع المسار الأمريكي مع الهدف الإسرائيلي؛ إذ يشكّل إضعاف إيران أحد أهداف التفوق الإقليمي لإسرائيل، وللولايات المتحدة خطوة ضمن مسار أوسع يخدم تعزيز موقعها في إدارة التنافس الدولي وضبط مساراته.
في هذا الإقليم المضطرب، لا تمثل التهدئة أو التصعيد مسارات مختلفة، وإنما أدوات داخل مسار واحد؛ فالتهدئة توقف مؤقت، في حين تمثل الحرب استمرارا لهذا المسار بأشكال أكثر مباشرة.
ومع تراجع بعض مصادر القوة الإيرانية، بما فيها القدرات العسكرية وأدوات النفوذ، تحقق جزء من مسار إعادة تشكيل القوة. وقد عكس الخطاب السياسي هذا التحول؛ إذ تصرّح إسرائيل عن تفوقها الإقليمي، فيما تحذر إيران من أن الصراع قد يتجاوز حدوده، في إشارة إلى أبعاده الأوسع.
في ضوء ذلك، لا يبدو أن حسم الصراع هدف نهائي، بقدر ما يعيد تشكيله على مستويات أوسع. فالتفوق الإقليمي لا يقف عند حدود إيران، بقدر ما يتصل بإعادة ترتيب توازنات تمتد إلى ما هو أبعد من الإقليم.
ومن هنا، لا يبدو ما تحقق نهاية لهذا المسار، وإنما بداية مرحلة يتداخل فيها الإقليمي مع الدولي، في صراع لم يعد يُدار داخل حدوده… وإنما عبرها.