facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




هرمز وملقا والسويس .. الجغرافيا التي تخنق العالم


سمير حمدان - بودابست
23-04-2026 12:03 PM

* هذا ليس مضيقًا، هذا عنق الاقتصاد العالمي.

لم يعد الخطر الحقيقي على الاقتصاد العالمي أن تقفز أسعار النفط أيامًا ثم تتراجع، بل أن العالم اكتشف أن معيشته كلها معلقة عند رقبة مضيق، فهرمز ليس مجرد ممر للطاقة، بل نقطة يمر عبرها جزء من نبض العالم نفسه، وهذا لا يعني هشاشة أسواق الوقود فقط، بل هشاشة الحياة اليومية أيضًا، لأن العولمة التي قيل طويلًا إنها حررت الاقتصاد من قيد الجغرافيا عادت لتثبت العكس، لقد جعلته أكثر اعتمادًا على أضيق النقاط، وأكثر قابلية للاختناق كلما اشتعلت السياسة عند حافة الماء.

لكن الخطأ الأكبر أن يُنظر إلى هرمز كأنه القصة كلها، فالمشكلة أوسع من مضيق واحد، التجارة الدولية لا تتحرك في بحار مفتوحة كما توحي اللغة الاقتصادية المريحة، بل تعبر عبر عدد محدود من الممرات التي تعمل كصمامات للاقتصاد العالمي، إذا اضطرب واحد منها انتقلت العدوى سريعًا إلى بقية الجسد، ولهذا لا يمكن فهم هشاشة العالم من دون ملقا والسويس وباب المندب، فهذه ليست أسماء جغرافية جامدة، بل نقاط ضغط تمسك بإيقاع التجارة والطاقة والغذاء والزمن، وتكشف أن النظام الاقتصادي الحديث أكثر ضيقًا مما يبدو، وأكثر هشاشة مما يحب أن يعترف.

ما جرى في الأعوام الأخيرة كان كافيًا لفضح هذا الوهم، اضطرابات البحر الأحمر والسويس وبنما لم تغيّر المسارات فقط، بل رفعت الكلفة على العالم كله، لأن السفن اضطرت إلى سلوك طرق أطول وأكثر التفافًا، ومع كل ميل بحري إضافي ارتفعت فاتورة الوقود والتأمين والأجور والتسليم، وهذه الزيادة لا تبقى في البحر، بل تصل في النهاية إلى رفوف المتاجر، وإلى أسعار الغذاء والطاقة والسلع في بلدان بعيدة جدًا عن منطقة التوتر نفسها، وهكذا تتحول الجغرافيا من خلفية صامتة إلى فاعل مباشر في التضخم، وفي تباطؤ النمو، وفي إرباك حسابات الشركات والدول.

هنا تصبح القضية سياسية بقدر ما هي اقتصادية، لأن الخطر لم يعد فقط في إغلاق ممر بحري، بل في تحوّل الممرات نفسها إلى أدوات نفوذ دائمة، فعندما تنظر الدول أو القوى الإقليمية إلى المضائق بوصفها أوراق ضغط لا شرايين عالمية، فإن التجارة لا تواجه أزمة ملاحة فقط، بل تواجه انهيار فكرة الحياد الملاحي نفسها، عندها لا يعود المرور حقًا تنظمه القواعد، بل امتيازًا تحدده القوة، وهذه لحظة أخطر من الحرب ذاتها، لأن الحرب قد تنتهي، أما إدخال البحر في سوق الابتزاز الدائم فيعني أن الخوف سيصبح بندًا ثابتًا في فاتورة الطاقة والغذاء والنقل والحياة اليومية.

والمزعج أكثر أن العالم لا يملك حلًا عميقًا، بل يكتفي بالالتفافات المكلفة، فإذا اختنق ممر جرى تحميل الضغط على آخر، وإذا توتر البحر الأحمر التف العالم حول إفريقيا، وإذا ارتفعت المخاطر في هرمز بحث المشترون عن مورد بديل لا عن نظام بديل، وهذه ليست معالجة، بل تأجيل منظم للفشل، لأن أصل الأزمة سياسي لا تقني، العالم بنى ازدهاره على افتراض ساذج، أن السوق وحده يكفي لحماية الطريق، وأن البحر سيبقى محايدًا حتى لو احترقت السياسة، لكن الوقائع قالت شيئًا آخر، الجغرافيا لم تغب يومًا، بل كانت تنتظر لحظة الانكشاف.

ولهذا يجب التوقف عند ملقا والسويس بوصفهما اختبارًا يوميًا لصدق العولمة نفسها، فملقا ليس مهمًا لأنه ضيق فقط، بل لأنه يحمل ثقلًا هائلًا من تجارة آسيا والعالم، والسويس ليست مهمة لأنها تختصر الوقت فقط، بل لأنها تختصر الكلفة أيضًا، وكل اضطراب فيهما لا يربك السفن وحدها، بل يربك دورة رأس المال والإنتاج والاستهلاك معًا، ويفضح أيضًا كذبة رددها الاقتصاد الدولي طويلًا، أن كثافة الحركة تعني المناعة، فيما الحقيقة أن الاعتماد على عدد محدود من الشرايين لا يصنع القوة، بل يضاعف قابلية الاختناق عند أول صدمة.

لهذا فإن السؤال لم يعد متى يفتح هذا المضيق أو ذاك، بل أي عالم هذا الذي صار توازنه مرهونًا بعنق كل ممر، وأي نظام دولي هذا الذي يعجز عن حماية البحر من التحول إلى سلاح، ثم يطلب من الأسواق أن تثق، ومن الدول الضعيفة أن تتحمل، ومن الشعوب أن تدفع، ما نراه اليوم ليس أزمة ملاحة عابرة، بل اعتراف متأخر بأن العالم الذي بدا مترابطًا إلى حد العبقرية صار مترابطًا إلى حد الاختناق، وأن البحار التي وعدت بالازدهار تكشف كل يوم أن الاقتصاد العالمي ليس قويًا كما يبدو، بل حساس، قابل للابتزاز، ويعيش على أمل أن يبقى الخلل مؤقتًا، مع أن كل المؤشرات تقول إن الاختناق لم يعد حادثًا طارئًا، بل صار نظامًا خفيًا يحكم هذا العصر .





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :