حزب المحافظين الأردنيين: هل هم "حراس تجربة " ام " صناع مستقبل"؟
د. فايز الهروط
01-05-2026 12:44 PM
يعيش العقل السياسي العربي اليوم مخاضاً فريداً خاصة حين غاب مشروعنا القومي و أصبحت الاقطار العربية نهبا سهلا لكل طامع و حاقد ، فالعربي يجد نفسه عالقاً بين إرث تاريخي عربي إسلامي عظيم وإكراهات دولية لا ترحم.
وفي قلب هذا المشهد، يبرز حزب المحافظين الأردنيين (بمفهومه الواسع لا التنظيمي الضيق) كلاعب أساسي يواجه تساؤلاً وجودياً: هل هو مجرد "حارس تجربة " الوطني، أم أنه يمتلك الأدوات ليكون من "صناع المستقبل"؟
قراءتنا لتاريخ الامم تخبرنا ان المحافظة أداة للنهوض لا للرجعية
إذا نظرنا إلى الساحة الدولية، نجد أن "المحافظة" لم تعد تعني الجمود.
ففي أمريكا "ترامب"، تحولت المحافظة إلى "قومية اقتصادية" شرسة تهدف لاستعادة السيادة من تغول العولمة.
وفي الصين، أعاد الحزب الحاكم إحياء "تعاليم كونفوشيوس"؛ لا ليعود بالصين إلى الوراء، بل ليخلق "عصباً" أخلاقياً واجتماعياً يضبط إيقاع التطور التكنولوجي الهائل خاصة بعد معدلات النمو الهائل التي ادت لتفشي اخلاق انحلال كالتي تسود الغرب ، محققاً توازناً مذهلاً بين "الخصوصية الثقافية" و"السيادة الرقمية".
و هنا يتساءل كل الأردنيين المحافظين ومعهم كل العرب المحافظين (تاريخيا) هل نحن نعاني من انفصام حضاري ما ؟ وتحدي في الأصالة ؟؟!!
اعتقد جازما بأننا كاردنيين و يشاركنا العرب في كافة الاقطار العربية هذا الاحساس و هذا التفكير .
فنحن أمام دول تحاول جاهدة ان تتبنى أحدث أدوات "الرقمنة" والأتمتة، لكنها أحياناً توظفها كأدوات "سيطرة ناعمة" لتجاوز التعقيدات الإدارية و الامنية التقليدية، بدلاً من أن تكون منصة للتمكين كعتبة للنهوض.
وهنا تبرز "الواقعية السياسية"؛ فالدولة الأردنية، بمواردها المحدودة وموقعها الجيوسياسي، تضطر أحياناً لمهادنة "الإكراهات" الغربية لضمان الاستقرار النسبي، مما يؤدي أحياناً إلى "تجميد" نضج الأفكار او البرامج الوطنية المستقلة.
والحالة هذه ، ارى
أن الفرصة التاريخية للنخب الأردنية اليوم لا تكمن في استنساخ الماضي، بل في "توظيفه" خدمة للحاضر و المستقبل.
ابن خلدون تحدث عن "العصبية" كمحرك للدولة و في الأردن، غالباً ما تُفهم العصبية بشكل سلبي (جهوية أو عشائرية ضيقة و غيره من الهويات الفرعية ).
الفرصة الحقيقية هي في توظيف "التكافل الاجتماعي" المتأصل في قيمنا القومية والإسلامية وحتى في العشائرية لتحويله إلى "رأسمال اجتماعي". بدلاً من أن تكون العشيرة عائقاً أمام "الدولة المدنية"، يمكن أن تكون هي "شبكة الأمان" التي تحمي الأفراد من سحق الرأسمالية المتوحشة، شريطة أن تُدار بعقلية "المواطنة".
موروثنا القومي الإسلامي يركز على "الإنسان" كخليفة في الأرض، وهو مفهوم يوازن بين عمارة الأرض (التطور) والبعد القيمي .
فلا بد من أن نقدم نموذجاً إدارياً وسياسياً يمزج بين الأصالة المعاصرة .
وبدلاً من الارتهان الكامل للتمويل الخارجي، يمكن إحياء فكرة "الوقف التنموي" كموروث إسلامي يوفر استقلالاً مالياً يدعم القرار السيادي.
هذا هو جوهر "الأصالة والمعاصرة"؛ أن نستخدم قيم "الشورى" و"التكافل" كقواعد أخلاقية تحكم تكنولوجيا المستقبل.
إن النخب الأردنية، وبخاصة التيار المحافظ ( المحاففظة ليست حكرا على حزب او تنظيم ما)، مدعوة اليوم للخروج من عباءة مدير الأزمة الى صانع الحاضر الجديد .
الواقعية السياسية لا تعني الاستسلام للإكراهات، بل تعني القدرة على المناورة باستخدام نقاط القوة الداخلية.
المحافظون الأردنيون ليسوا مضطرين لأن يكونوا "فرسان متحف" يكتفون بحراسة التاريخ بشكل جامد .
لديهم الفرصة ليكونوا "صناع مستقبل" إذا استطاعوا ردم الفجوة بين التقنية المستوردة والموروث القومي.
إن "السيستم" القادم، سواء كان اقتصاديا او اجتماعيا أو سياسياً، يجب أن يتحدث "لغتنا" وقيمنا بروح العصر ، ليكون الأردن دولة قوية بذاتها، لا مجرد رقم في معادلات الامم الأخرى .