facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حرب بلا اسم واحد .. إعادة تشكيل الشرق الأوسط تحت عناوين مضلِّلة


محمد نور الدباس
04-05-2026 09:41 AM

من السهل اختزال المشهد المشتعل بين إيران من جهة، والولايات المتحدة ودولة الاحتلال من جهة أخرى، في توصيف جاهز: حرب دينية، أو صراع طاقة، أو مواجهة اقتصادية، لكن هذا التبسيط لا يفسّر ما يجري بقدر ما يُخفيه، الحقيقة الأقل راحة (لكن الأكثر دقة) أننا أمام حرب مركّبة تُدار بأدوات متعددة، فيما يبقى العنوان الحقيقي: إعادة توزيع النفوذ في الشرق الأوسط.

والخطاب الديني حاضر بكثافة، لكنه ليس المحرّك، يُستدعى حين يلزم، لتعبئة الجماهير وتبرير السياسات، ثم يُعاد إلى الخلف عندما تبدأ الحسابات الباردة: قواعد اشتباك، خطوط حمراء، وردع متبادل، لو كان الدين هو الأساس، لما رأينا هذا القدر من البراغماتية في تجنّب الانفجار الشامل، ولا هذا الحرص على إبقاء الصراع “تحت السقف”.

أما من يروّج لفكرة “حرب الطاقة”، فيغفل أن النفط اليوم ليس سبب الحرب بقدر ما هو أداة ضغط ضمنها، نعم، الممرات الحيوية مثل هرمز وباب المندب تُبقي العالم على أعصابه، لكن السيطرة عليها ليست غاية نهائية بقدر ما هي ورقة تفاوض في لعبة أكبر، وكذلك الاقتصاد: العقوبات ليست هدفًا بحد ذاته، بل وسيلة لإعادة تشكيل سلوك الخصم عبر إنهاك الداخل وتقييد الخارج.

ما الذي يبقى إذن؟

يبقى الصراع الجيوسياسي الصريح؛ من يرسم خرائط النفوذ؟ من يحدّد قواعد اللعبة الأمنية؟ ومن يملك حق تعريف “التهديد” و”الرد المشروع”؟ هنا تتقاطع مصالح واشنطن في منع صعود قوة إقليمية مهيمنة، مع هواجس دولة الاحتلال الأمنية، ومع مشروع إيراني يسعى لتثبيت حضور عابر للحدود، والنتيجة ليست حرباً تقليدية، بل سلسلة حروب منخفضة الحدة؛ تشمل ضربات محسوبة، ورسائل بالنار، وحروب بالوكالة تُبقي الجميع في حالة استنزاف دون الوصول إلى نقطة اللاعودة.

غير أن أخطر ما في هذه المعادلة ليس ما يحدث في ساحات الاشتباك، بل ما يحدث خارجها (تطبيع فكرة اللااستقرار)، حين يصبح التصعيد الدوري أمراً اعتيادياً، فتتحول المنطقة إلى مسرح دائم للأزمات، وتُعاد هندسة أولويات الدول قسراً من التنمية إلى الأمن، ومن الإصلاح إلى إدارة المخاطر.

في هذا السياق، تبدو الدول الواقعة على تماس مباشر مع خطوط التوتر (ومنها الأردن) أمام اختبار دقيق، يتمثل بكيف تحافظ على توازنها في بيئة تتغير قواعدها بسرعة؟ كيف تدير اقتصادًا يتأثر بأي اهتزاز في الطاقة والتجارة؟ وكيف تحمي مجتمعها من تداعيات الاستقطاب الإقليمي وخطابات التعبئة؟

فالرهان هنا لا يمكن أن يكون على الحياد السلبي، ولا على الانخراط غير المحسوب، لكن المطلوب سياسة ذكية متعددة المسارات؛ تشمل تعزيز الجبهة الداخلية اقتصاديًا واجتماعيًا، وتنويع الشراكات دون الارتهان، والاستثمار في الدبلوماسية الوقائية التي تخفّف من ارتدادات الصراع، ذلك لأن الدول التي لا تملك ترف التأثير المباشر في مسار الحرب، تملك على الأقل قدرة تقليل كلفتها.

وعودة على ذي بدء، فوصف هذا النزاع بنوع واحد فقط (ديني أو اقتصادي أو طاقة) يختزل صورة معقدة جداً، فالواقع أن ما يجري هو تداخل لعدة أنماط من الصراع في آنٍ واحد، لكن مع اختلاف في الوزن والأولوية، ويمكن تفكيكه من خلال البحث في زوايا خمس؛ الزاوية الأولى تتمثل بأنه صراع جيوسياسي (الأكثر مركزية)، فالجوهر الحقيقي هو الصراع على النفوذ الإقليمي؛ إيران تسعى إلى ترسيخ نفسها كقوة مهيمنة في الشرق الأوسط عبر شبكات حلفاء ونفوذ ممتد (العراق، سوريا، لبنان، اليمن)، والولايات المتحدة تعمل على منع أي قوة إقليمية من تهديد توازن القوى أو مصالحها الاستراتيجية، ودولة الاحتلال ترى في هذا التمدد تهديداً مباشراً لأمنها القومي، فهذا البعد هو “المحرّك الأساسي” للصراع.

الزاوية الثانية يمكن التعبير عنها بأنه صراع أمني–عسكري، يتعلق بمنع تغيير ميزان الردع، خاصة البرنامج النووي الإيراني، تطوير الصواريخ الباليستية، والانتشار العسكري غير المباشر (الحروب بالوكالة)، وهنا تصبح المواجهة مرتبطة بـ”من يملك القدرة على الردع أو التفوق العسكري”.

والزاوية الثالثة يمكن التعبير عنها بأنه صراع اقتصادي (أداة ضغط وليس الهدف النهائي)، كالعقوبات الأمريكية على إيران تمثل حربًا اقتصادية واضحة، والهدف منها إضعاف الداخل الإيراني وتقليص قدرته على تمويل نفوذه الإقليمي، لكن الاقتصاد هنا وسيلة في الصراع وليس غاية مستقلة.

أما الزاوية الرابعة يمكن النظر منها إلى أنه صراع طاقة (عامل مهم لكنه غير مباشر)، فالمنطقة تحتوي على أهم ممرات الطاقة (مثل مضيق هرمز)، وأي تصعيد يؤثر على أسعار النفط وسلاسل الإمداد العالمية، ومع ذلك، فالصراع ليس “حرب نفط تقليدية”، بل الطاقة تدخل كعنصر ضغط وتأثير.

والزاوية الخامسة فننظر للصراع على أنه ذات لبعد ديني/أيديولوجي (موجود لكنه ليس الأساس)، فإيران تقدم نفسها ضمن خطاب أيديولوجي/ثوري، ودولة الاحتلال تُعرّف نفسها ضمن سياق قومي–ديني، وبعض الحلفاء يستخدمون خطابًا طائفياً، لكن الحقيقة أن الدين يُستخدم غالباً كأداة تعبئة وتبرير، وليس كسبب جوهري للصراع.

فهذا النزاع هو بالأساس صراع جيوسياسي على النفوذ والهيمنة، تُستخدم فيه الأدوات الاقتصادية والعسكرية، ويتأثر بعوامل الطاقة، ويُغلّف أحيانًا بخطاب ديني، ولو أردنا ترتيب العوامل حسب الأهمية؛ فهي على الترتيب؛ النفوذ الإقليمي (الأهم)، الأمن والردع العسكري، الاقتصاد (كأداة ضغط)، الطاقة (عامل تأثير)، الدين (غطاء تعبوي)

خلاصة القول القاسية أن هذه ليست حربًا تُخاض لتُحسم سريعاً، بل حالة صراع مُدارة قد تطول، وكلما أُسيء فهم طبيعتها، زادت كلفتها على المنطقة، وتسمية الأشياء بأسمائها ليست ترفاً لغوياً؛ إنها الخطوة الأولى لصياغة سياسات واقعية، وما لم ندرك أن العنوان الحقيقي هو “النفوذ”، فسنبقى نلاحق ظلال العناوين الأخرى (الدين، الطاقة، الاقتصاد) بينما تُرسم الخرائط بعيداً عن أعيننا.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :