facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




العطايا الحكومية للنواب .. عندما يتحول الامتياز إلى شبهة فساد


أ.د. زيد الحمدان
13-05-2026 08:56 AM

في الدول التي تسعى إلى بناء مؤسسات ديمقراطية قوية، يفترض أن تقوم العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية على مبادئ الرقابة والمساءلة والفصل بين السلطات، لا على تبادل المصالح أو توزيع الامتيازات والعطايا. ومن هنا، فإن ما أشار إليه النائب مصطفى العماوي حول “عطايا الحكومة للنواب” يثير تساؤلات عميقة وخطيرة تتعلق بطبيعة العلاقة بين السلطتين، وحدود المقبول أخلاقياً وسياسياً في العمل البرلماني.

فهل أصبح الأردن من الدول الثرية إلى الحد الذي يسمح بتقديم عطايا بمئات الآلاف تحت أي مسمى؟ وإذا كان أي رئيس حكومة يستطيع منح آلاف الدنانير دون أسس واضحة أو مبررات معلنة، فإن ذلك يشكل مؤشراً خطيراً على سهولة العبث بالمال العام. والأكثر إثارة للاستغراب أن يأتي ذلك في الوقت الذي تصدر فيه قرارات حكومية لتقليل النفقات وإطفاء المكيفات بحجة ترشيد الإنفاق، بينما تخرج تصريحات تتحدث عن عطايا ومخصصات بمبالغ كبيرة.

المشكلة لا تكمن فقط في وجود امتيازات أو تسهيلات، بل في تأثيرها المباشر على استقلالية النائب وحيادتيه في مراقبة الحكومة ومحاسبتها. فعندما يصبح النائب مستفيداً بشكل مباشر أو غير مباشر من السلطة التنفيذية، فإن ذلك يضعف قدرته على اتخاذ مواقف رقابية جادة، ويخلق تضارب مصالح واضحاً قد ينعكس على قراراته ومواقفه تحت القبة.

والفساد لا يقتصر دائماً على الرشوة المباشرة أو تحويل الأموال بطرق غير قانونية، بل قد يظهر بصور أكثر نعومة وخطورة، مثل الامتيازات الخاصة، والتعيينات، والإعفاءات، أو تقديم المكاسب والخدمات مقابل الولاءات السياسية أو تخفيف النقد والمساءلة. وهذا النوع من “الفساد الناعم” قد يكون أخطر من الفساد المالي التقليدي، لأنه يتسلل إلى بنية النظام السياسي ويضعف ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.

إن النائب يمثل الشعب، وليس الحكومة، ووظيفته الأساسية هي الدفاع عن مصالح المواطنين، ومراقبة أداء السلطة التنفيذية، والتشريع باستقلالية وشفافية. لذلك، فإن أي علاقة تقوم على المنافع المتبادلة بين الحكومة وبعض النواب تمثل تهديداً حقيقياً لفكرة البرلمان الرقابي، وتحول المجلس تدريجياً من مؤسسة رقابية وتشريعية إلى مساحة للمصالح والتفاهمات.

الأخطر من ذلك أن استمرار مثل هذه الممارسات يكرس لدى المواطن شعوراً بأن بعض المواقف السياسية أو البرلمانية لا تُبنى على قناعة وطنية أو مصلحة عامة، وإنما على حسابات الامتيازات والمكاسب الشخصية. وعندما تهتز ثقة الناس بالمؤسسات التشريعية، تتراجع المشاركة السياسية ويزداد الإحباط العام، وهو ما يشكل خطراً على الحياة السياسية والثقة بالدولة ومؤسساتها.

ومن هنا، فإننا نتطلع إلى أن تبادر الحكومة بفتح تحقيق شفاف فيما ورد على لسان سعادة النائب، وأن يتم توضيح الحقائق للرأي العام، واسترداد أي أموال صُرفت دون وجه حق إن وجدت. كما نأمل إصدار ضوابط صارمة تمنع صرف أي مبلغ من المال العام دون وجود أسس قانونية وإجراءات رسمية واضحة، لأن هذا المال ليس ملكاً لأحد، بل هو مال الشعب، والحكومة والنواب مؤتمنون عليه.

الإصلاح الحقيقي يبدأ بالشفافية الكاملة، ووضع ضوابط واضحة تمنع تضارب المصالح بين السلطتين، وتعزز الإفصاح والمساءلة. كما أن تعزيز استقلالية البرلمان ليس ترفاً سياسياً، بل ضرورة وطنية لحماية الدولة ومؤسساتها وترسيخ الثقة العامة.

فالدول لا تُبنى بالعطايا، بل تُبنى بالمؤسسات القوية، والنزاهة، واحترام القانون، والحفاظ على المال العام، ضمن إطار دستوري يضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :