عندما يدار الاعلام الرسمي بعقلية "المؤثرين"
د. ماجد عسيلة
16-05-2026 07:22 PM
خرجت علينا وزارة الاتصال الحكومي بتصريح يحمل في طياته دلالات خطيرة ومقلقة؛ حيث أعلن معالي الناطق الرسمي باسم الحكومة عن لجوء مؤسسات الدولة أحيانا إلى الاستعانة بما يسمى "ناشطي ومؤثري وسائل التواصل الاجتماعي" لنفي الشائعات وتزويدهم بالحقيقة ليقوموا بإيضاحها للرأي العام.
هذا التصريح الذي قد يراه البعض للوهلة الأولى مجرد "تكتيك رقمي مرن" لمواجهة التدفق المعلوماتي، يمثل في عمقه وتطبيقه تراجعا صريحا عن المسؤوليات الرئيسية، وضريبة قاسية تدفع من هيبة المؤسسة الرسمية، واعترافا ضمنيا بعجز المنظومة الإعلامية للحكومة.
ومن موقعي كأحد الناطقين الإعلاميين السابقين في مؤسسات الدولة، والذين خبروا كواليس صناعة الخبر وإدارة الأزمات الرسمية، أجد أن هذا التوجه لا يشكل صدمة مهنية فحسب، بل يضرب أسس العمل المؤسسي في مقتل.
إن إدارة الإعلام الرسمي ونفي الشائعات وحماية السلم المجتمعي ليست صفقة تسويقية أو حملة علاقات عامة؛ بل هي وظيفة سيادية أصيلة من وظائف الدولة ومؤسساتها الرسمية، وإناطة مهمة تقديم المعلومات الساخنة وإجهاض الشائعات بأفراد خارج الهيكل الوظيفي يعد تخليا عن هذه المسؤولية؛ فالرائد في العمل العام والمسؤول الحكومي يستطيع محاسبة موظفيه وإخضاعهم للمساءلة، لكنه حتما لا يملك سلطة إدارية أو رقابية على "مؤثر رقمي" في حال أخطأ أو حرّف الرواية الرسمية.
علاوة على ذلك، فإن تقديم الرواية الرسمية من خلال "مؤثرين" يفقد المعلومة صفتها الرسمية والمسؤولة، ويجعل الدولة رهينة لأمزجة منصات التواصل وخوارزمياتها، في حين أن الأصل هو أن تكون المؤسسة الحكومية نفسها هي المصدر المباشر المتاح والموثوق للجميع دون تمييز أو وساطة شعبوية.
الزاوية الأكثر إيلاما وإثارة للتساؤل في هذا النهج الحكومي، والتي تمسنا نحن الذين مثلنا المنبر الرسمي لسنوات، هي: "أين مصير ودور مئات الناطقين الإعلاميين والمستشارين في الوزارات والمؤسسات الرسمية؟"على مدار سنوات طويلة استثمرت الدولة الأردنية من خزينتها ومن أموال دافعي الضرائب، وعبر شراكات دولية ومحلية، لإخضاع كوادرها الإعلامية في الوزارات والمؤسسات لآلاف الدورات التدريبية المتقدمة في إدارة الأزمات، والاتصال الاستراتيجي، والرد السريع، وصناعة المحتوى الرقمي.
لدينا "جيش" من الموظفين العامين المؤهلين والمثقفين الذين يحملون درجات علمية وخبرات مهنية متراكمة في مؤسسات كالتلفزيون الأردني ووكالة الأنباء الأردنية والدوائر الإعلامية في كل وزارة، وحين يتم تجاوز كل هذه الكوادر الوطنية المدربة والموظفة خصيصا لهذا العمل، والذهاب لاستجداء منصات المؤثرين، فإن الحكومة توجه رصاصة إحباط مهنية لجيش موظفيها الحاليين، وتعلن صراحة عن هدر إداري ومهني غير مبرر؛ فلماذا تحرص الدولة على تأهيل وتدريب هؤلاء الناطقين إذا كانت الرواية الرسمية ستصنع وتقاد من قبل هواة تواصل اجتماعي؟
إن الاعتماد على "المؤثرين" هو مراهنة خطيرة غير مأمونة العواقب، فالمؤثر الرقمي مهما بلغت وطنيته أو حسن نواياه، هو ابن "منصته" وخاضع لشروطها وباحث دائم عن "التريند" والمشاهدات، إنهم أفراد يصعب السيطرة على توجهاتهم، ولا يمكن للحكومة الاعتماد المطلق على مهاراتهم الشخصية، أو خلفياتهم الثقافية، أو مدى عمقهم وفهمهم لتعقيدات ملفات الدولة الحساسة (الاقتصادية، الأمنية، والسياسية).
كيف تأمن الحكومة على روايتها الرسمية السيادية أن تمر عبر فلاتر أمزجة شخصية وثقافات عامة غير منضبطة بضوابط الوظيفة العامة ومواثيق الشرف المهنية؟.
إن خطأ واحدا أو زلة لسان من "مؤثر" أثناء نقله للحقيقة الحكومية قد ينسف السلم المجتمعي ويفجر أزمة أكبر من الشائعة المراد نفيها، وهو ما كنا كناطقين رسميين نحسب له ألف حساب قبل خروج الكلمة من منابرنا.
إن مواجهة الشائعات لا تكون عبر "الخصخصة الرقمية" للخطاب الرسمي، ولا بالهروب إلى فضاء المؤثرين الافتراضي.. المواجهة الحقيقية تكون بتفعيل هيبة الإعلام الرسمي، وتحقيق الشفافية المطلقة، والسرعة في ضخ المعلومات من خلال القنوات الرسمية، وبمنح الناطقين الإعلاميين الرسميين الصلاحيات والثقة والأدوات للقيام بواجباتهم التي تدربوا عليها وسخرت الموارد لتأهيلهم لها.
لجوء الحكومة للمؤثرين ليس ذكاء تسويقيا، بل هو "شهادة عجز" بحق مؤسساتها، واعتراف صريح بفشل استراتيجياتها الاتصالية الرسمية.
لقد آن الأوان لتعود للدولة روايتها الرسمية الرصينة عبر منابرها الشرعية، فالأوطان لا تدار بعقلية "اللايك" و"التريند".