بين الغضب والولاء .. حكاية ذيبان
د.جلال الشورة
18-05-2026 09:10 AM
إلى الأستاذ أحمد سلامة،
حين كتبتَ عن ذيبان، لم تكن تكتب عن مكانٍ يقف على أطراف مادبا، ولا عن زيارةٍ عابرة، ولا عن رجالٍ مرّوا في ذاكرة الدولة ثم غابوا. كنتَ تكتب عن شيءٍ أعمق من ذلك كله… عن الحنين الأردني إلى زمنٍ كان المواطن يشعر فيه أن الدولة أقرب إلى الناس، وأن المسؤول يعرف وجوههم قبل ملفاتهم، ويسمعهم قبل أن يفسّرهم.
فذيبان ليست مجرد جغرافيا.
ذيبان حالة أردنية كاملة؛ فيها الكرامة، والكبرياء، والوجع، والوفاء أيضًا.
وفي بيوت ذيبان، كما في كثير من بيوت الأردن، ما تزال صور الشهداء والعسكريين والمتقاعدين معلّقة على الجدران أكثر من أي شعارات أخرى، وما تزال القهوة تُسكب للضيف باسم الوطن قبل أي شيء آخر. تلك التفاصيل الصغيرة التي لا تظهر في التقارير الرسمية، لكنها تختصر علاقة الناس الحقيقية بالدولة.
لكن ما يؤلم أحيانًا، ليس الفقر، ولا التهميش، ولا قسوة الظروف الاقتصادية وحدها… بل أن يُساء فهم الأماكن التي بقيت، رغم كل شيء، واقفةً في صف الوطن.
لقد تعرّضت ذيبان، في مراحل مختلفة، إلى قراءةٍ ضيقة اختزلتها بصورة لا تشبه حقيقتها. فكلما ارتفع فيها صوت الغضب من ضيق المعيشة أو قسوة الواقع، سارع بعض المسؤولين إلى النظر إليها بعين القلق لا بعين الفهم، وكأن التعبير عن الوجع خروجٌ على الدولة، مع أن الفرق كبير بين من يرفع صوته خوفًا على الوطن، ومن يرفعه ضد الوطن.
وذيبان لم تكن يومًا ضد الأردن.
هذه الأرض التي قدّمت أبناءها للجيش والأجهزة الأمنية، وحملت صورة الدولة في وجدانها قبل جدران مؤسساتها، لا يمكن اختصارها بلحظة غضب، ولا يجوز أن تُقدَّم للرأي العام بوصفها منطقة اعتراض فقط، بينما تاريخها الحقيقي يقول إنها منطقة انتماء عميق، ووفاءٍ صامت، وكبرياءٍ أردني قديم.
فالأوطان لا تُقاس فقط بحجم التصفيق، بل بقدرتها على فهم ألم أبنائها دون أن تشكّ في ولائهم.
وربما كانت المشكلة أن بعض الإدارات لم تسمع الناس إلا حين يغضبون، ولم تقرأ المجتمعات المحلية إلا من زاوية القلق، فتحوّل المواطن المتعب إلى ملف، والصوت الغاضب إلى تهمة، بدل أن يكون رسالة تستحق الإصغاء.
لكن الأردن، في جوهره، كان دائمًا أكبر من هذه النظرة الضيقة.
فهذا البلد لم يبقَ مستقرًا لأنه يخلو من الأزمات، بل لأنه يمتلك علاقةً خاصة بين القيادة والشعب؛ علاقة لم تُبنَ على الخوف، بل على الثقة التاريخية بأن هذا الوطن يتسع للجميع، وأن الأردني حين يختلف أو يغضب، يبقى منحازًا للدولة لا عليها.
فالدولة الحديثة لا تُقاس فقط بقدرتها على فرض الاستقرار، بل بقدرتها على تحقيق العدالة والشعور بالمواطنة المتساوية.
ولهذا، فإن أكثر ما تحتاجه الدولة اليوم ليس أن تستعيد حكايات الحنين فقط، بل أن تستعيد روح العدالة والاقتراب من الناس. فالمواطن لا يريد مسؤولًا يسمعه في المناسبات فقط، بل يريد إدارةً عادلة، ومؤسساتٍ تُشعره أن كرامته محفوظة، وأن التعب لا يتحول إلى تهمة، وأن الحب الحقيقي للوطن لا يُقاس بالصمت وحده.
إن قيمة رجال الدولة الذين يحنّ إليهم الأردنيون اليوم، لم تكن فقط في حضورهم الشخصي، بل في قدرتهم على جعل الناس يشعرون أن الدولة بيتٌ لهم لا سلطة فوقهم. وهذه هي المعادلة التي يجب ألا تضيع.
سيبقى الأردن قويًا بقيادته الهاشمية، وبوعي شعبه، وبالمدن والقرى التي حافظت على انتمائها رغم التعب، وستبقى ذيبان، كما كانت دائمًا، جزءًا من صورة الوطن لا خارجه؛ صوتًا قد يغضب أحيانًا، لكنه لا ينكسر، ولا يبدّل بوصلته، ولا يتخلى عن ولائه لقيادة الوطن وجيشه ودولته.
فالأوطان لا تخسر حين يسمع المسؤول صوت الناس… بل تخسر حين يظن أن كل صوت ألمٍ هو تهديد.