حين يسبق المواطن المؤسسات بأفكاره .. أمانة عمان نموذجاً
أ.د. زيد الحمدان
18-05-2026 11:40 AM
شكّل قرار أمانة عمّان بإزالة أحد أبرز معالم منطقة شفا بدران، "دوار التطبيقية"، واستبداله بإشارات ضوئية، حالة واسعة من الجدل والنقاش بين سكان المنطقة ورواد وسائل التواصل الاجتماعي. فدوار التطبيقية لم يكن مجرد معلم مروري، بل أصبح جزءاً من هوية المنطقة وذاكرة سكانها، خاصة مع النمو العمراني والسكاني المتسارع الذي تشهده شفا بدران خلال السنوات الأخيرة.
ورغم أن تركيب الإشارات الضوئية قد يخفف الأزمة المرورية مؤقتاً، إلا أن كثيراً من المواطنين يرون أن هذا الحل قد لا يكون مستداماً على المدى البعيد، خصوصاً مع الزيادة اليومية في أعداد السكان والمركبات. لذلك، ظهرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي العديد من المقترحات التي تدعو إلى حلول جذرية أكثر استدامة، مثل إنشاء نفق أو أكثر، أو إعادة تصميم التقاطعات بطريقة هندسية حديثة تضمن انسيابية الحركة لسنوات طويلة.
اللافت للنظر أن بعض المواطنين لم يكتفوا بإبداء الرأي، بل قدموا رسومات ومخططات وأفكاراً مرورية تستحق الدراسة، وهو ما يعكس وجود طاقات وخبرات مجتمعية قادرة على المساهمة في صناعة القرار المحلي إذا ما أُتيحت لها الفرصة صحيح أن إنشاء أنفاق أو مشاريع بنية تحتية متقدمة قد يكون مكلفاً في الوقت الحالي، لكنه في المقابل قد يوفر على الدولة والأمانة مستقبلاً تكلفة التعديلات والحلول المؤقتة المتكررة. فالحلول الجذرية، وإن كانت أكثر كلفة في البداية، غالباً ما تكون أقل تكلفة وأكثر كفاءة على المدى الطويل.
وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا لا تلجأ أمانة عمّان والبلديات إلى إشراك المواطنين بشكل أوسع في اقتراح الحلول؟ ولماذا لا يتم فتح قنوات تفاعلية حقيقية عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو المنصات الرقمية لطلب أفكار الناس قبل تنفيذ المشاريع الكبرى؟ تخيّلوا لو أن الأمانة، على سبيل المثال، طرحت مشكلة السير في دوار الداخلية أو غيره من المواقع المزدحمة، وطلبت من المواطنين تقديم اقتراحاتهم وحلولهم. أنا على يقين بأنها ستتلقى أفكاراً مبتكرة وخارج الصندوق، وربما حلولاً لم تكن مطروحة أصلاً لدى الجهات الفنية.
إن المواطن ليس مجرد متلقٍ للخدمة، بل شريك حقيقي في تطوير المدينة وتحسين جودة الحياة فيها. وفي كثير من الأحيان، يكون سكان المنطقة هم الأقدر على فهم تفاصيل المشكلة اليومية واقتراح الحلول العملية لها، لأنهم يعيشونها بشكل مباشر.
المشاركة المجتمعية لم تعد ترفاً إدارياً، بل أصبحت جزءاً أساسياً من الإدارة الحديثة للمدن. والدول والمدن الذكية اليوم تتجه نحو إشراك المواطنين في التخطيط واتخاذ القرار، ليس فقط من باب الشفافية، بل لأن ذلك يؤدي إلى حلول أكثر قبولاً واستدامة ونجاحاً.
أتمنى أن تنتهج أمانة العاصمة والبلديات مستقبلاً سياسة قائمة على إشراك المواطن في التفكير والتخطيط، وأن تتحول وسائل التواصل الاجتماعي من مجرد مساحة للشكوى إلى منصة حقيقية للعصف الذهني وصناعة الحلول.
فلنجعل المواطن يقترح… فقد تكون لدى الناس أحياناً حلول لا تراها المؤسسات.