القفز من كارثة إلى أخرى بذاكرة سمكة!
د. ماجد عسيلة
18-05-2026 04:44 PM
لطالما كان كوكب الأرض مسرحا حافلا بالأحداث، لكن السنوات الأخيرة شهدت وتيرة متسارعة من "التحديثات الكونية" التي تجعل المرء يشك في أن هناك مخرجا عبقريا يجلس خلف الكواليس، يضغط على زر الطوارئ كلما أوشكت الجماهير على التركيز في فضيحة بعينها، فالأمر أشبه بسيرك، حيث يسقط الكنز من يد الساحر فيشعل النار في الستارة ليلتفت الجميع إلى اللهب وينسوا ما كان في يده.
التتابع التاريخي للكوارث يثبت أن ذاكرتنا الجماعية ليست سوى ضحية لجرعات مكثفة ومدروسة من الصدمات المتتالية، فعندما كان العالم بأسره يغلي ويتابع بشغف تفاصيل تسريبات "وثائق بنما" التي كشفت حسابات سرية وتهربا ضريبيا لرؤساء ومشاهير من العيار الثقيل، وبينما كانت العروش تهتز والصحافة تبحث عن الرؤوس التي ستسقط، فجأة وبدون مقدمات تصدرت أخبار تنظيم داعش واعتداءاته المرعبة واجهات القنوات العالمية، وتحول النقاش من أموال الشعوب المنهوبة إلى كيفية النجاة من الذبح، لتطوى صفحات الوثائق في أدراج النسيان ويبقى الفساد آمنا خلف ساتر الدخان والدم.
لم نكد نستوعب هذا التحول حتى دخلنا في حبكة جديدة، حيث بدأت الأصوات تعلو تدريجيا لمحاسبة شركات التكنولوجيا الكبرى وصناع القرار حول أزمات التغير المناخي والحرائق التي التهمت الغابات، ثم يظهر فيروس كورونا ليغلق الكوكب بأكمله ويضع البشرية تحت الإقامة الجبرية، وفي تلك اللحظة لم يعد أحد يهتم بالمناخ أو الفساد السياسي، بل أصبح الطموح الأسمى للمواطن العالمي هو الحصول على لفة ورق تواليت إضافية وقناع ومعقم، ليصبح الوباء هو الغطاء المثالي لتمرير أضخم عمليات إعادة توجيه للثروات في التاريخ الحديث.
ومع تراجع حدة الجائحة وبداية تعافي العالم، بدأت فضيحة جديدة تظهر للعلن مركزها جزيرة "جيفري إبستين" وظهور الوثائق والأسماء التي تضم رؤساء سابقين ومليارديرات وأمراء ومشاهير تورطت في شبكة أخلاقية مرعبة كانت كفيلة بهدم النظام العالمي القائم، وفي الذروة التنافسية لهذه الفضيحة التي حبست الأنفاس، اشتعلت فجأة جبهة الشرق الأوسط ودخلت المنطقة في أتون صراع مباشر شمل ضربات متبادلة وتوترات غير مسبوقة بين إيران وأطراف إقليمية ودولية، فحبس العالم أنفاسه مجددا أمام شاشات التلفزيون يترقب حربا عالمية ثالثة ومسارات الصواريخ الباليستية.
سواء كانت هذه السلسلة من الأحداث عبارة عن صدف بحتة نتيجة عالم مجنون يتزاحم فيه الأشرار والمصائب، أو كانت إستراتيجية مفتعلة وممنهجة لإدارة الأزمات، فإن النتيجة الحتمية تظل واحدة، وهي أن المواطن يعيش في حالة تشتيت مستدام، حيث تمحو الصدمة الحالية سابقتها بكفاءة مذهلة، وبتنا نقفز من كارثة إلى أخرى بذاكرة سمكة.