facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss





السلطة والدولة والربيع العربي د.اسامة تليلان


د. اسامة تليلان
06-02-2014 01:28 PM

قبل الوصول الى مشروع الدولة تعايشت المنطقة العربية مع ثلاثة مشاريع : القبيلة، والإسلام، والعروبة، والمشاريع الثلاثة بحكم مضامينها وأبعادها لم تحظ الدولة فيها بمكانة مركزية بقدر ما خبرت وعرفت فكرة السلطة وأسهمت في تعزيزها، فحدود وأبعاد بعض هذه المشاريع جاء أقصر من الدولة (القبيلة) فالولاء والانتماء للقبيلة يقصر عن الدولة، وبعضها أكبر منها (الإسلام)، وبعضها يقصى بعض مكوناتها (العروبة).

على ان فكرة الامة التي لم تتبلور بشكل كاف لتكون مشروعا قائما بذاتها، وظلت تراوح امكانية ولادتها حتى اللحظة بين فكرتين هما الاسلام والعروبة دون حسم لحدودها ومن يدخل ويخرج منها .

أما الدولة عندما ظهرت كمشروع رابع فقد شكلت قشرة علوية وسطحية للمشاريع الثلاثة، حاضنة لها دون أن تكون بوتقة تعيد إنتاجها في إطار مشروع الدولة وهويتها. ولذلك ظلت هوية الدولة ومؤسساتها هي الأضعف أمام حضور الهويات الثلاث الأخرى ومؤسساتها.

فالدولة في المشروع القبلي لم تكن معروفة بقدر ما كانت فكرة السلطة متجذرة، فغالبية العرب قبل الإسلام خبروا نظام القبيلة التي قامت على أسس ثلاثة: الشيخ واحتكاره للسلطة والمنفعة، وأعضاء القبيلة والمواطنة التي تقوم على روابط الدم، وأرض القبيلة المتحركة في كثير من الأحيان.

وعندما جاء الإسلام عرف العرب لأول مرة السلطة المركزية التي انطوت تحتها السلطات القبلية المحلية القائمة، وأعيد كذلك تعريف المواطنة بحيث اتسعت ولم تعد تقوم على روابط الدم وإنما على رابطة الاسلام. وبقيت الدولة أيضا وإن تحققت بعض أركانها أقصر من رابطة المواطنة الجديدة وأقل من أن تكون دولة مكتملة.

فمع انتهاء فترة الخلفاء الراشدين وبداية المرحلة الأموية عادت الفكرة في الحكم وتنظيمه إلى الفكرة القبلية والأسرية والتفاني في بناء مشروع السلطة على حساب مشروع الأمة وعندما سقطت الدولة العثمانية كمشروع خلافة عاد الألق الى المشروع الأول المرتبط بالقبيلة والأسرة.

وبعد ان تشكلت الدول العربية في القرن العشرين ارتبطت أيضا بفكرة السلطة أكثر من فكرة الدولة، وخضعت السلطات المحلية مرة أخرى لسلطة مركزية في إطار قشرة مثلتها الدولة.

وعلى مدار عقود القرن العشرين تعزز مشروع السلطة وتوسع على حساب مشروع الدولة، وحملت الدولة في باطنها المشاريع الثلاثة دون أن تتمكن من إعادة صياغة جديدة لها بحيث تذوب في إطار مشروع الدولة، لا بل إن المشاريع الثلاثة أعادت تمركزها بوضوح كلما مرت السنوات.

ولأن المشاريع الاربعة أسست لمركزية السلطة وليس الدولة، فقد بقي الحديث عن الدولة في العالم العربي أشبه بالحديث عن شيء موجود وغير موجود في آن واحد. موجود في الجانب الشكلي (سلطة، وشعب، وسيادة)، وفي الجانب القانوني المتعلق بالاعتراف بالدولة ومركزها القانوني، وغائب من حيث المضمون والسلوك والمؤسسات ومركزية القانون والآليات الديمقراطية ومفهوم الشعب.

بمعنى آخر فإن الحديث عن الدولة في العالم العربي ظل ينطوي على بعد مجازي إلى حد كبير، وما هو أقرب للواقع أننا أمام مفهوم للسلطة أكثر من كوننا أمام دول بالمعنى المؤسسي العميق أو بمعنى اكتمال أركان الدولة، وظائفها، وسلوكياتها، وآلياتها.

فالدولة على المستوى المؤسسي ما زالت في أفضل أحوالها جزء من نظام فردي يتحكم في كافة مؤسساتها، أي مركزية الحاكم في النظام السياسي ، وجزء من نظام سلطوي تتركز فيه مصادر القوة في جهة واحدة، وجزء من نظام تبعي يعم جميع مستويات المجتمع والبيروقراطية، فنظام التبعية المتمثل في الأشخاص الطالبين للمنفعة من ناحية والرعاة من ناحية أخرى متأصل، فكل فرد مربوط بصورة أو بأخرى بهذا النظام النخبوي التبعي، من تعرفهم أهم ممن لا تعرفهم، فالمنتمين لهذا النظام التبعي قد يجنون المنفعة في شكل وظائف وخدمات وعقود حكومية ومناصب لا يستحقونها مقابل تبعيتهم. وقد يمتد نظام التبعية إلى مجموعات كاملة في المجتمع. كل ذلك عوضا عن البنى المؤسسية والقانونية والآليات والمؤسسات الديمقراطية التي تكفل مشاركة الناس في اختيار صناع القرار.

وفي مستوى آخر ظل مفهوم الشعب والوصول الى تجسيده امر يقترب من السراب، فغالبية المجتمعات العربية لم يتح لها الوصول إلى طموح الشعب، وما زال الأفراد يتعرفون الى بعضهم البعض ويقيمون علاقاتهم التفاعلية والتشاركية ومنها السياسية على أساس صلات تقليدية قائمة قبل نشوء الدولة، فالعرق والطائفة والقرابة والمنطقة ما زالت الناظم لكل ذلك على حساب فكرة المواطنة والعلاقات في إطار مؤسسات الدولة وفي إطار المؤسسات الحداثية التي تقيم روابطها بشكل يعزز من فكرة المواطنة والمشاركة والتحول من مفاهيم العرق والمذهب والقرابة إلى مفهوم الشعب. لا بل إن مؤسسات المجتمع الأهلي التقليدية التي تقوم على الروابط التقليدية ما زالت قائمة وأقوى من المؤسسات الحداثية.

والأفراد عندما يمارسون بعض الجوانب الإجرائية للديمقراطية مثل المشاركة في الانتخابات فإن السلوك التصويتي للأفراد يتبع هذه الصلات التقليدية، فالقريب أولى وابن الطائفة أولى وابن الحارة أولى، وكذلك عندما توزع المنافع والمواقع والمناصب على مستوى الدولة. وكلها أولويات لا تسهم في تعزيز بنية الدولة وتعزيز المسار الديمقراطي بقدر ما تشوه مساراتهما.

والشعوب باتت تمارس لعبة الإقصاء لبعض مكوناتها وتبحث عن فكرة النقاء العرقي والطائفي كأساس لمفهوم الشعب وفي أفضل الأحوال التهميش السياسي إن لم يكن أكثر من ذلك.

حتى يمكن القول اليوم أن فكرة الدولة بكافة أبعادها وفكرة المواطنة بكافة تجلياتها ليست قائمة لا بفكر النظم الحاكمة ولا المجتمعات التي ما زالت ملتزمة بعضويتها في تكويناتها الأولية ما قبل الدولة ولم تتمكن كذلك بعد من التعامل مع مفهوم الشعب وتقبل به.

واليوم يبدو أن الربيع العربي قد كشف بوضوح عن هشاشة فكرة الدولة وهشاشة فكرة الشعب، فسقوط النظم الحاكمة في بعض دول الربيع تبعها انهيار لقشرة الدولة وكثير من مؤسساتها، وتعرية لفكرة الشعب بحيث عادت مكونات الشعب الى التمترس خلف القبيلة والطائفة والعرق، بشكل كشف ايضا عن أن الدولة العربية بعد سايكس بيكو صممت بحيث يكون رسوخ النظم الحاكمة (السلطة) فيها أكبر وأقوى من رسوخها ومن مؤسساتها، ومتى ما انهارت السلطة أو ضعفت أدواتها القهرية انهارت قشرة الدولة ذاتها وتحللت إلى عناصرها ما قبل الدولة.

وفي ظل هذه المكونات والاتجاهات الهشة واذا برز تدخل خارجي مناهض لتماسك فكرة السلطة المركزية، يتزايد القلق من ان الربيع العربي قد يشكل بوابة تقهقر او انهيار لمشروع السلطة المركزية وعودة مشروع السلطات المحلية المتقابلة التي ستنهار معها قشرة الدولة كليا... ليولد بعد ذلك سايكس بيكو جديد يبشر هذه المرة بفكرة دويلات القبيلة ودويلات المذهب والطائفة والعرق والهوية. او لفكرة تنامي بروز الدول الفاشلة المتحاربة داخل مكوناتها في ظل عجز واضح لمؤسسات الدولة.




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :