facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الاكثر تعليقا





الشنقيطي .. الرحلة التي لا تنتهي!!!


أ.د عمر الحضرمي
10-04-2016 10:09 PM

حقيقة، لقد أصبتُ بالذهول عندما تمنّى عليّ بعض الإخوة، أن أكتب شيئاً عن المرحوم بإذن الله، الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، ليكون ذلك جزءاً من سِفْرٍ يضم بين دفتيه شذرات من الذكريات التي ملأت جوانب ودواخل سيدي الشيخ الذي استميحه عذراً بأن أضع بين يدي روحه الطاهرة استرجاعات أعتبرها مُدْخلاً للسنوات الأربع التي عملتها بمعيته عن قرب، وقبلها عشت معه عمراً طويلاً كنت أراه في الشونة الجنوبية، وقد استلقى على ظهره تحت الشجرة الكبيرة التي تطاولت حتى لم نعد نسمع زقزقة العصافير التي سكنت على أفنانها. أصبت بالذهول عندما سألت نفسي ومن أنا لأكتب عن الشيخ الجليل.


أول ما عرفت سيدي الشيخ شخصياً، لجأت إليه ليمحو عني رفضاً أمنيّاً يحول بيني وبين أن أعمل في دار الإذاعة الأردنية، وكان ذلك قبيل عدوان الخامس من حزيران عام 1967. يومها زرته في بيته في حي الطهطور في جبل الحسين، برفقة محمد أحمد السعود العدوان، على أساس أن الشيخ كان رفيق الروح للشيخ أحمد السعود العدوان وإخوانه المرحوم الشيخ نوفان والمرحوم الشيخ نايف. عندها أسمعني سماحته سيلاً من الشتائم أحاطت بي من كل جانب، وذلك عندما علم أني كنت منتمياً لأحد الأحزاب أثناء دراستي في الجامعة الأمريكية في بيروت. خرجت من بيته وأنا أشعر أن الآية الكريمة "والتفت الساق بالساق" ما نزلت إلا فيّ. أصابني الدوار وسيدي الشيخ يكيل لي المسبّات، لأني أصلاً ذهبت إلى بيروت مُبْتعثاً من الدولة، ولأني مع ذلك، انتميت إلى جماعة تعمل ضد الأردن. عندها أذكر أني نفيت له هذه التهمة، إلا أن كل ما قاله "يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم". رجعت إلى الشونة الجنوبية وأخبرت المرحوم والدي بالقصة، وكان كل ما قاله والدي "إن الشيخ هو الصادق وأنت الكاذب".

بت ليلتها متقلباً على جمر فقدان وظيفة كنت آمل فيها. ذهبت عشية اليوم التالي إلى السلط فقابلت صديقاً لي(المرحوم شاكر العزب)، فقال لي "يا زلمة شو هالصحبة بينك وبين الشيخ الشنقيطي" وقبل أن أجيبه راوياً له ما حدث بالأمس، قال لقد تقابلت مع الشيخ على درج الرئاسة، نحن نازلون والمرحوم محمد رسول الكيلاني (مدير المخابرات يومها صاعداً السلم لمقابلة رئيس الوزراء حسب موعد مسبق) وإذا بالشيخ يمسك بكتف محمد رسول ويقول له بلهجة وَعِرَةْ، ما الذي فعلته بعمر الحضرمي. لماذا ترفض أن يعمل في الإذاعة. فأجاب محمد رسول أن عمر كان بعثيّاً، فقال الشيخ كيف تتصور أن شخصاً والده حمدان الحضرمي جاء مع سيدي عبدالله يكون بعثياً. نحن وأبوه وهو لا نعرف ولاءاً إلا للهاشميين، ارجع إلى دائرتك ودقق في الأمر. وفعلاً ثاني يوم وإذا بالمرحوم نزار الرافعي (مدير الإذاعة آنذاك) يدعوني إلى مكتبه ويقول إن حظر عملك في الإذاعة قد رفع. علمت بعدها أن سيدي الشيخ قد أمر محمد رسول ليعود إلى مكتبه قبل أن يقابل رئيس الوزراء ويمحو عني هذه الممانعة.


عندها عرفت أن الرجل لا يمكن إلا أن يكون "قدر الأمل" فيه، وبعدها عشقته، وتعلمت منه حروف الوفاء ومحبة البلد. وأدركت أن الرجولة تسكن في الجينات لا في المصالح الفردية. ومرّت الأيام عرفت معها أن الأردن بلد يجب أن يُحب، وأن التضحية في سبيله تهون حتى لو كانت هذه التضحية بالدم.

دخلت وزارة الخارجية بفضل موسى الكيلاني (السفير السابق) الذي قدّم لي طلب الدخول في المسابقة دون علمي، وتفاجأت أن (ابا ناصر) يبحث عني، فلما قابلته أخبرني أنه قدم لي طلباً للاشتراك في المسابقة. وبتوفيق من الله نجحت وقُبلت في الخارجية. بعدها بفترة جاء سيدي الشيخ إلى الوزارة وفوجئت مرة ثالثة بأنه يبحث عني، فلما قابلته أعلمني بأنه طلب من وكيل الوزارة (المرحوم مهيب الخياط) أن أنضم إلى كادر السفارة في جدّة (حيث يعمل الشيخ سفيراً فيها).
ذهبت إلى جدّة، وبدأت رحلة التعلّم في مدرسة سيدي الشيخ، التي كان عنوانها "الأردن فوق كل شيء في الدنيا". وكنت أتردد إلى منزله (في طريق مكّة)، ومن المدهش أنني لم أزرْه يوماً إلا وكان مؤشر المذياع على إذاعة عمّان، وكنت ألاحظ أنه يفرح إذا سمع أن المطر نازل في الأردن، وكان فرحه هذا لا يوصف، وكان اسم سيدي الحسين طيّب الله ثراه يثير في وجدان الشيخ كل أنواع المحبة والولاء والاحترام.

في يوم من الأيام قررت الحكومة الأردنية اعتماد سفارة مقيمة في صنعاء وفصلها عن جدّة، حيث كان سيدي الشيخ سفيراً غير مقيم في اليمن. سافرت بمعية سيدي إلى صنعاء لتوديع المسؤولين فيها، وما أن وصلنا إلى المطار المتواضع (آنذاك) حملت حقيبة سيدي الشيخ، وفوجئت أنها ثقيلة إلى حد ما. وما أن وصلنا الفندق، وفتح الشيخ الحقيبة حتى فوجئت أن بين ملابسه "راديو" كبيراً، ومؤشّره على عمان.

ورفض سيدي أن ننزل إلى العشاء قبل أن يسمع أخبار عمّان.
انضممت إلى جميع جلسات التوديع ابتداء من رئيس الجمهورية (عبدالرحمن الأرياني) مروراً برئيس الوزراء (القاضي عبدالله الحجري) والشيخ عبدالله الأحمر. لقد كانت الجلسات دروساً في الوفاء للأردن ولملك الأردن ولرجال الأردن. وكان المستمعون ثملين بما يسمعون من الشيخ.

انتهت فترة عمل سيدي الشيخ في جدّة، وتقرر نقله إلى عمّان، فأقامت وزارة الخارجية السعودية حفل عشاء وداعي للشيخ، وكانت المراسم المتبعة في السعودية أن يكون الحفل للسفراء المغادرين دون خطابات وتحت رعاية وكيل وزارة الخارجية التي نقلت إلى الرياض يومها. وتفاجأنا يومها أن سمو الأمير المرحوم سعود الفيصل بنفسه يحضر الحفل قادماً من الرياض خصيصاً، وعلى غير العادة أيضاً، ألقى سمو الأمير خطاباً مكتوباً بيّن فيه مناقب سيدي الشيخ ودوره في تنمية العلاقات بين البلدين. ردّ سيدي الشيخ بكلمة قصيرة محورها أن كل ما قام به هو نتيجة للإيمان المطلق لدى مَلِكيْ البلدين بالعلاقات غير المسبوقة بين الرياض وعمّان.
استقر سيدي الشيخ في المدينة المنوّرة بعد إحالته إلى التقاعد، إلا أنه لم ينقطع عن عمّان، بل زادت زياراته لها، وعلى عكس ما كان يجري بين أوساط المتقاعدين، فقد كثف من الدفاع عن الأردن، بل وأعْلَمُ أنه وضع علاقته بأحد المسؤولين المهمين من غير الأردنيين على كف عفريت، عندما أراد هذا المسؤول أن يوجّه انتقاداً ظالماً لسياسة الأردن وسياسة الملك حسين.

واذكر في جلسة له على هامش زيارة بعض كبار القوم له في دارته في المدينة المنورة في أحد مواسم الحج بعد تقاعده، أن تكلّف بنفسه مراجعة مسؤولي الحج والأوقاف في مكة المكرمة الذين كانوا يعاملون السفارة الأردنية والحجيج الأردني معاملة خاصة زمن الشيخ، وطلب من هؤلاء المسؤولين الاستمرار في تقديم المعاملة المتميزة لحجاج الأردن.

وهناك ألف تفصيل وتفصيل شهدته في السنين التي قضيتها بالقرب من سيدي الشيخ، يذهب كل منها إلى مطرح من مطارح الولاء والصدق والوفاء ومحبة الهاشميين والاستعداد للتضحية بالغالي والنفيس في سبيل الأردن، دون مِنّةٍ أو تحميل جميل.

ومما ذكره لي مرّة، أنه أثناء توليه وزارة المعارف (التي أصبحت زمنه وزارة التربية والتعليم) عام 1958 أن وجد أحد مراقبي "المترك" فتاة وقد كتبت على دفتر مذكرات صديقة لها كلاماً ضد الأردن، أُرسل الأمر إلى الشيخ فأمر بحرمان الطالبة من تقديم الامتحان. تدخل كل الناس إلا أن الشيخ رفض. أوصلوا الأمر إلى جلالة الملك الحسين فطلب من سيادة الشريف ناصر بن جميل رحمه الله أن ينقل إلى الشيخ رغبة سيدنا بالمسامحة. رفض الشيخ. استدعاه سيدنا وقال له أنا سامحت البنت. فقال له أنت سامحتها بحقك في نفسك ولكن حصتي فيك أنا الذي أملك المسامحة بها، وأنا لن أسامح. الحل يا سيدي أن تستغني عني، وتعيّن وزيراً آخر وتكمل الطالبة امتحانها. أما أنا فلن أسامح أحداً أساء للهاشميين. واستمر حرمان الطالبة.

سيدي الشيخ اعذرني إن أنا قصّرت في الحديث عنك، لأنك بحر متلاطم الأمواج من المواقف والشيم والوفاء والرجولة، ومن ينوي الاقتراب من أحد شواطئك عليه أن يكون ضخماً وقوياً وجريئاً ومؤمناً، فالسلام عليك، داعياً الله جلّت قدرته أن يتغمدك برحمته، وأن يسكنك فسيح جناته..
وأخيراً اعلم سيدي الشيخ أن الرحلة معك لم تنته، ولن تنتهي، وما أنا وغيري إلا كمطاردين للشفق الذي يواصل ارتحاله من غرب إلى غرب إلى غرب بدون نهاية.
والسلام عليك سيدي ورحمة الله وبركاته




  • 1 طارق الشنقيطي 02-11-2018 | 09:59 AM

    رحمة الله عليهم اجمعين وجزاك الله الف خير


تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :