facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss





ملحم التـــــل ..


25-12-2009 01:37 PM

* كتب ملحم التل، مقاله الشهير الذي أخذ عنوانه من المثل الشعبي الأردني «زيتون برما داشر وعيشوا يا همل»..

...........................................................................

... وعندما قلت له: «... هذا من حقوقي الدستورية كأردني...»، رأيت أن عينيه الطيبتين تلمعان تحت جبهته العريضة.
لقد كان سعيداً، يستمع إلي باهتمام ومحبة وتعاطف ظاهر، وكأنه كسب رهاناً ما. وقد أدهشني ذلك. فملحم التل كان ذلك «الموظف الكبير» الذي جئت أوسّطه لدى دائرة المطبوعات، للإفراج عن قصائد سياسية كان مراقب المطبوعات قد شطبها من مجموعتي الشعرية «عاشق عمّان».
كان ذلك على الأرجح في ربيع 1975 وكنت كتبت، تحت تأثير الشاعر العراقي مظفر النواب، هجائيات سياسية عنيفة أردت نشرها.

وكنت أجادل بأن حرية التعبير هي حق دستوري، رافضاً الخضوع للمواصفات العرفية السائدة آنذاك، وكأنها مقدسات! وقد نصحني شخص محترم لا أذكره للأسف، بأن أزور ملحم التل في «الخارجية» وأشرح له الأمر.

ما عدا كلمات التشجيع، والتأكيد على «حقوقي الدستورية»... لم يستطع التل أن يفعل لي شيئاً، كان الرجل مقصىً بلا نفوذ، وكان قد دفع العام 1973 ثمن حقه الدستوري في حرية التعبير، بإقصائه عن رئاسة تحرير صحيفة «الرأي». ويقول الكاتب طاهر العدوان الذي كان حينذاك، مشرفاً على الرأي إن ملحم التل لم يستطع الصمت على الحملة والإجراءات التي استهدفت تفكيك الهم الوطني الأردني، بعد استشهاد وصفي التل، وتصاعدت بقوة لاحقاً بحيث كتب ملحم التل، مقاله الشهير الذي أخذ عنوانه من المثل الشعبي الأردني «زيتون برما داشر وعيشوا يا همل».

لقد نصحه العدوان بالتريث، إلا أنه أصر ونشر المقال، وكانت النتيجة إقصاء كاتبه عن قيادة «الرأي»، إلى مكتب حكومي بلا عمل. وتصاعدت الحملة المتأمركة أكثر فأكثر، وضيّقت الخناق على الوطنيين الأردنيين، ومنهم وأبرزهم ملحم التل الذي تم عزله واعتقاله.
لقد كنت أشعر تلك الأجواء المعادية للهم الوطني والدستوري، ولكنني، حيث قابلت ملحم التل، لم أكن أعرف أنه أحد ضحاياها.

وفي وقت لاحق (1977) عرفت من صديق العمر الرفيق عصام التل، أن قريبه «ملحم» قد أسس حزباً دستورياً. وكانت الأحزاب وقتها ممنوعة، والأحزاب العقائدية والفلسطينية تعمل في السر، وتعتمد مبدأ السرية. وكان من الغريب أن يعمد معارض إلى تأسيس حزب علني هو «الجبهة الأردنية العربية الدستورية» رافضاً الاعتراف بالأحكام العرفية، مصرّاً على التمتع بحقوقه الدستورية والقانونية... كمواطن أردني.

في ذلك الوقت كان عصام، بعمق فكره السياسي، معجباً بالتجربة... ولكننا، بالطبع، لم نكن نأخذها ــــ بينما نحن نؤسس خطاً ثورياًــــ على محمل الجدّ. لقد كنا نريد تغييراً جذرياً في الأردن والمنطقة والعالم، ولم يكن لحزب دستوري معارض أن يلهمنا، إلا أن «عصام» كان معجباً بشجاعة ملحم ونزعته إلى التحدي والتمرد.

وهكذا لم ألتقِ مع مؤسس الجبهة الدستورية، حتى العام 1996، حين طورتُ مع رفاق آخرين خطاً سياسياً يقوم على الهم الوطني الأردني، بما في ذلك التمسك بدور الدولة الاقتصادي الاجتماعي، وبالدستور. لماذا؟ لأن الجماهير الكادحة المعنية بالحفاظ على وجودها السياسي وهويتها، وعلى القطاع العام وتطويره، تحتاج في نضالها الاجتماعي والوطني هذا إلى تفعيل الدستور، والاحتماء به ضد هجمة الليبرالية الجديدة المتوحشة المعادية (لأنها تعبّر عن مصالح الأقلية) للمعايير الدستورية والقانونية.

من مخبئي، تالياً من سجني في صيف وخريف 1996، تابعت باعتزاز، الأداء المميز لملحم التل الذي كان لحسن الحظ، وقت انفجار انتفاضة الخبز ذلك العام، رئيساً لائتلاف أحزاب المعارضة. كان ملحم يتصرف كرجل دولة باباء وأنفة وتركيز على الجوهري، وحالما خرجت من السجن، التقيته، ودعوته إلى الكتابة في صحيفة «الميثاق» الأسبوعية، وقد أصبح مساهماً فيها.

وبدأنا للتو، علاقة سياسية نشيطة. لقد وجدنا معاً، أننا متفاهمان بالكامل، وبدأنا ننسق بصورة ثنائية، المواقف والنشاطات. شكّلنا نحن الاثنان حزباً خاصاً. وجدته على أبواب السبعين شاباً ومناضلاً لا يتعب ولا يمل، مستعداً للقيام بتلك الجولات الطويلة المرهقة في الريف الأردني للقاء أبناء الحرّاثين، والحوار معهم، واستنهاضهم، وكنت أنظر إليه أنا المتعب الملول في العقد الرابع، وهو يغذ الخطى، يملأ البشر وجهه في اجتماعات أبناء العشائر والقرى، فأتبعه، وفي الاستراحات، يزدهر حسّه الساخر إزاء كل شيء، وإزاء نفسه وازائي، فنضُجّ بالضحك. أصبح ملحم التل أبي ورفيقي وصديقي. وهذه الأبوة والرفقة ولاصداقة حيث تجتمع ــــ وهي نادراً ما تجتمع ــــ تمنحك ذلك الشعور الكثيف متعدد الطبقات بأن العالم آمن وجميل.

كنت أذهب إليه في المساءات بروح معذبة وأنا واثق أنني عمّا قليل في صالون شقته الفوضوي، وبعد أن يضيّفني قدحاً من عصير الحصرم اللذيذ، ونبدأ الحديث، سوف يتفتح قلبي كشراع للريح يستمع إلي بصبر ويهوّن علي، وأستودعه أسراري مطمئناً إلى أنها لن تخرج من خزنة روحه المعطرة بالشيح والقيصوم. وكان يجري إلى مقهاه على ناصية الشارع في الشميساني نشرب الشاي وندخن نتحدث ونضحك. وبما أن النساء المارات أمام المقهى الشعبي أو أيّ الجالسات على مقربة منا لسن من النخب الأول، مما يضجرني، يقترح عليّ الانتقال إلى مقهى آخر في الرابية، حيث يمكن مشاهدة صبايا فاتنات، فقد كنا معاً في مقتبل العمر!

كان ملحم التل يحب المقاهي، وهذه تعوّد عليها في مصر، وهي حبه الكبير وهوى فؤاده، على الرغم من أنه آني السياسة سوراقيّ الهوى... فدمشق وبغداد عنده هما جناحا الأردن اللذان بهما يحلّق بلدنا مثل الصقر والشيء الذي لم أستطع أن أجاري صديقي «ملحم» به، هو المشاركة في المظاهرات والمسيرات التي كان لا يترك فرصة للسير فيها، وكان يسخر مما يسميّه استعلائي على الزحام الشعبي!! وكنت أجادله بأننا قادة سياسيون، وعلينا أن ننظّم نحن المظاهرات تحت راياتنا وشعاراتنا، لا أن نسير تحت رايات وشعارات الآخرين، غير أنه كان يحب الناس، ويمنحه الجمعُ البشري ذلك الإحساس العميق بالقوة والتفاؤل.

ذات مرة في خريف 1999 ألحّ عليّ أن نذهب لنشارك في مسيرة، ولحسن الحظ أن أخي «خالد» لم يتركنا نذهب وحدنا، فذهبنا ثلاثتنا إلى منطقة التظاهر في سيارة خالد الذي عبر دروباً وأزقة وحارات، حتى وصلنا بأمان، فوجدنا الشرطة قد أخلت المكان، وأصبح السير فرصة أستغلها السوّاقون بتجاوز السرعات والالتفافات الخطرة والتشاتم، وكانت هناك مجموعة صغيرة من الشباب تهتف بهتافات قاسية جداً تشملنا نحن الآتين للتضامن ربما، لأننا نرتدي بدلات أنيقة وربطات عنق، وندهش للشتائم على رؤوسنا، فقد حسبنا الجمعَ، ضباط مخابرات، هذا الاعتقاد الساذج هو الذي أنقذنا!!

لا أملك حين أذكر ملحم التل سوى الفرح، ولا أذكر من أحاديثه سوى تلك السخريات اللاذعة وأخبار الغراميات المحبطة، ونقدياته النافذة المرحة للرجال... غير أن ملحم التل عاش ومات مناضلاً.

في الأعوام 68ــــ1970 التحق ملحم التل، المثقف القوي الديمقواطي بجبهة الحراثين، وقال له الملك الراحل العام 1971: «قاتلتَ عن لواء كامل في الجيش العربي». وكان الطريق ممهداً أمامه لكي «يصعد»، ولكنه اختار مرة أخرى، جبهة الحراثين... ضد الفساد والاستبداد والأحكام العرفية والطبقة الجديدة التي قفزت إلى الحكم تحصد ثمار معوكة الشعب.

وهذا الذي قاتل دفاعاً عن الأردن بقدرة لواء باسل، عُزل من الخدمة وزُجَّ به في الزنزانة ولم يتزحزح عن إيمانه بالأردن، وطناً للعروبة والتقدم والديمقراطية. ناضل من أجل العود إلى سيادة الدستور في السبعينيات والثمانينيات، ولمواجهة الاختراق الصهيوني والخصخصة والتوطين، في التسعينيات، وكانت أدواته دائماً، هي نفسها تحشيد أبناء الحراثين... وفي مواقعهم في أرياف الأردن وبواديه، فهؤلاء هم عصب الدولة وأساس السياسة في بلدٍ له «كيمياء» لا يعرفها إلا العشاق.




  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :