facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الأزمات لا تُدار بالانتظار… بل بإعادة بناء الجاهزية


أسامة ابو طالب
20-05-2026 09:05 AM

الدول التي تدرك معنى الاقتصاد الحقيقي، لا تنتظر انتهاء العاصفة حتى تبدأ بإصلاح السفينة.

بل تفهم أن أصعب اللحظات قد تكون الفرصة الأنسب لإعادة ترتيب الأولويات، وتقوية البنية التحتية، ورفع مستوى الجاهزية استعداداً للمرحلة القادمة.

هذه ليست رفاهية إدارية، بل منهج عمل تبنّته دول ومدن استطاعت تحويل فترات التراجع إلى نقطة انطلاق جديدة.
فالجاهزية لا تُبنى أثناء الازدحام… بل في لحظات الهدوء.

ومن هنا، فإن النظر إلى تطوير البنية التحتية والمرافق والخدمات المرتبطة بالحركة الاقتصادية والسياحية باعتباره ملفاً ثانوياً أو مشروعاً قابلاً للتأجيل، هو قراءة قصيرة المدى لا تنسجم مع طبيعة الاقتصاد الحديث.

فالبنية التحتية اليوم لا تعني الطرق والمباني فقط، بل تعني التجربة الكاملة التي يعيشها الزائر والمستثمر والمستخدم؛ من المطارات والمعابر والموانئ، إلى الطرق، ومواقف المركبات، والإرشادات الذكية، والخدمات اللوجستية، ومستوى التنظيم والنظافة وجودة الخدمات داخل المواقع والمرافق العامة.

لأن المطار لم يعد مجرد نقطة وصول،
والمعبر لم يعد مجرد إجراء عبور،
والميناء لم يعد فقط ساحة شحن وتفريغ.

كل تفصيل أصبح جزءاً من صورة الدولة، ومن قدرتها على المنافسة، ومن الانطباع الذي يبقى في ذهن الزائر منذ اللحظة الأولى وحتى مغادرته.

ولهذا، فإن العمل على تطوير أو تحديث أو إنشاء البنية التحتية خلال فترات التراجع يُعد خطوة ذكية واستباقية، لأنه يجنّب متلقي الخدمة التأثيرات السلبية التي ترافق عادة أعمال الإنشاء والصيانة خلال مواسم الذروة.

فليس من المنطقي أن يصل الزائر إلى موقع حيوي ليجد الطرق المؤدية إليه مغلقة، أو أعمال الصيانة تعيق الحركة، أو المرافق الأساسية غير مكتملة، أو المشهد العام مشوهاً بسبب مشاريع متأخرة التنفيذ.

الإدارة العميقة لا تنتظر عودة الضغط لتبدأ بالإصلاح، بل تستثمر فترات الهدوء لإعادة التأهيل والتطوير ورفع الكفاءة، حتى تكون المنظومة جاهزة بالكامل عندما تعود الحركة.

وهنا لا تقع المسؤولية على القطاع العام وحده، فالقطاع الخاص أيضاً أمام مسؤولية حقيقية وفرصة مهمة في الوقت ذاته.

الفنادق، والمنتجعات، والمطاعم، والمنشآت المرتبطة بالحركة السياحية والاقتصادية، مطالبة اليوم بإعادة تقييم مستوى جاهزيتها، والعمل على التحديث المستمر، سواء في البنية التشغيلية، أو جودة الخدمات، أو التقنيات المستخدمة، أو حتى شكل التجربة المقدمة للزائر.

وقد أثبتت تجارب السنوات الماضية أن بعض المنشآت كانت تؤجل التطوير والصيانة حتى عودة المواسم، فتدخل فترات الذروة وهي غير مكتملة الجاهزية، لينعكس ذلك مباشرة على جودة الخدمة والانطباع العام.

في المقابل، فإن المدن والوجهات التي نجحت عالمياً لم تحقق ذلك لأنها امتلكت المقومات فقط، بل لأنها عرفت كيف تدير فترات التراجع بذكاء، وتحولها إلى ورش عمل هادئة لإعادة البناء والتحديث والاستعداد.

سنغافورة لم تصبح مركزاً عالمياً بسبب موقعها فقط، بل لأنها فهمت قيمة الحركة وكفاءة الخدمات.

ودبي لم تُقرأ كمطار أو ميناء فحسب، بل كنموذج متكامل لإدارة تجربة العبور والسرعة والخدمة.

وأوروبا لم تستثمر في شبكات النقل والربط بين المدن عبثاً، بل لأنها أدركت مبكراً أن سهولة الحركة تصنع الاقتصاد قبل أن تصنع النقل.

كما أن مراجعة الإجراءات المرتبطة بالحركة والسفر والخدمات أصبحت ضرورة لا تقل أهمية عن تطوير البنية التحتية نفسها.

فسرعة الإجراءات في المعابر، وكفاءة الخدمات في المطارات، وتنظيم الحركة في الموانئ، والتحول الرقمي، وتكامل الخدمات الإلكترونية، جميعها باتت جزءاً من التنافسية الاقتصادية والسياحية.

ولهذا، فإن عقد لقاءات متخصصة ومشتركة بين القطاعين العام والخاص لم يعد ترفاً إدارياً، بل ضرورة عملية لصناعة حلول واقعية، ومعالجة التحديات القائمة، وتفادي الأخطاء مستقبلاً.

ومن خلال تجربتنا في مجلس محافظة العقبة، كنا ندرك أن الأولويات التقليدية كالصحة والتعليم تبقى قطاعات أساسية لا غنى عنها، لكن التنمية الاقتصادية ليست ملفاً هامشياً يمكن تأجيله، لأن الاقتصاد القوي ليس منافساً لبقية القطاعات… بل الضامن لاستمرارها.

فعندما يتم تطوير موقع، أو تحديث مرفق، أو تحسين تجربة زائر، فإن الأثر لا ينعكس على قطاع واحد فقط، بل يمتد إلى الأسواق، والنقل، وفرص العمل، والاستثمار، والإيرادات العامة، وقدرة الدولة على تعزيز الاعتماد على الذات، خاصة في ظل تراجع المساعدات والمنح الخارجية.

فالاقتصاد الحديث لا يُبنى بالشعارات، بل بكفاءة الحركة، وجودة الخدمات، وسرعة الإجراءات، والقدرة على الاستعداد قبل عودة الطلب.

وفي النهاية، فإن الدول والمدن التي تنجح ليست فقط تلك التي تمتلك المقومات، بل تلك التي تعرف متى تطور، وكيف تستعد، وكيف تحول الأزمات إلى فرصة لإعادة بناء الجاهزية قبل عودة الحركة.

لأن المستقبل لا ينتظر من يراقب التغيير…

بل يكافئ من استعد له مبكراً.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :