عمّان ترسم ملامح المستقبل العربي بإطلاق "صندوق ابتكر"
د. هيفاء ابوغزالة
20-05-2026 07:57 PM
في لحظة عربية تبدو فيها التحديات أكبر من أي وقت مضى، لم يكن انعقاد ملتقى «الابتكار في زمن التحديات» في عمّان مجرد فعالية فكرية عابرة، بل بدا وكأنه إعلان عربي جديد بأن المستقبل لا يُنتظر… بل يُصنع. ففي عالم يتغير بسرعة مذهلة، وتعيد فيه التكنولوجيا والاقتصاد والتحولات السياسية رسم خرائط القوة والنفوذ، جاءت الرسالة من العاصمة الأردنية واضحة وحاسمة: لا مكان لأمة خارج معادلة المعرفة والابتكار.
الملتقى الذي عقدته الشبكة العربية للإبداع والابتكار برئاسة طلال أبوغزالة، بالتعاون مع الهيئة العربية للبث الفضائي وطلال ابوغزالة العالمية الرقمية جمع نخبة من صناع القرار والمفكرين والخبراء ورواد الأعمال والشباب العربي، في مشهد حمل الكثير من الدلالات، ليس فقط لجهة القضايا التي نوقشت، بل لما عكسه من إيمان متزايد بأن العالم العربي يمتلك من الطاقات والعقول ما يؤهله للدخول بقوة إلى عصر الاقتصاد المعرفي إذا ما توافرت الإرادة والرؤية والبيئة الحاضنة.
ومن بين الكلمات التي توقفت عندها القاعة باهتمام، جاءت كلمة دولة رئيس مجلس الأعيان الأردني السيد فيصل الفايز، التي لامست جوهر المرحلة العربية الراهنة، حين أكد أن أهمية هذا الملتقى تنبع من توقيته، في ظل التحولات العالمية المتسارعة والتحديات التي تواجه الشباب العربي، مشدداً على أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان، ومن تمكين الشباب بالعلم والتكنولوجيا والقدرة على الإبداع وصناعة الفرص.
ولأن الأفكار الكبرى لا تكتمل إلا حين تتحول إلى خطوات عملية، فقد حمل الملتقى واحدة من أهم رسائله بإطلاق «صندوق ابتكر»، المبادرة التي لم تُطرح كمشروع تمويلي تقليدي، بل كرؤية عربية جديدة تسعى إلى تحويل الابتكار من شعار نظري إلى مشروع اقتصادي وتنموي حقيقي. فالصندوق يهدف إلى دعم وتمويل المشاريع الابتكارية والريادية في الأردن والمنطقة العربية، واحتضان الأفكار الخلاقة، وفتح الطريق أمام الشباب العربي لتحويل أحلامهم إلى مشاريع قادرة على خلق فرص العمل وإنتاج المعرفة وتحريك الاقتصاد.
إن إطلاق «صندوق ابتكر» يعكس إدراكاً متقدماً بأن معارك المستقبل لن تُحسم فقط بالسياسة، بل بالعقل والمعرفة والقدرة على إنتاج التكنولوجيا وصناعة الحلول. فالدول التي تستثمر في العقول هي وحدها القادرة على حماية مستقبلها، بينما تبقى المجتمعات التي تكتفي بالاستهلاك خارج حركة التاريخ مهما امتلكت من الموارد.
وفي عمّان، المدينة التي ظلت عبر العقود مساحة للحوار والاعتدال والانفتاح، بدا المشهد وكأن العرب يحاولون استعادة ثقتهم بقدرتهم على الفعل، لا الاكتفاء بردّ الفعل. فحين يجتمع الفكر مع الإرادة، وتلتقي الخبرة مع طموح الشباب، يصبح الابتكار أكثر من مجرد مفهوم حديث… يصبح مشروع نهضة.
ربما لم يكن أهم ما في الملتقى الكلمات التي قيلت على المنصة، بل تلك القناعة التي خرج بها المشاركون: أن العالم العربي لا تنقصه الطاقات، بل يحتاج إلى من يفتح لها الأبواب، وأن المستقبل لن ينتظر المترددين، بل سيكون لمن يملك الجرأة على التفكير المختلف، والإيمان بأن كل تحدٍ يمكن أن يتحول إلى فرصة، إذا امتلكنا الشجاعة لنبتكر.