صفحة من مذكرات عبد الكريم ..
المحامي محمد الصبيحي
03-10-2026 03:24 PM
كان رصيده من الحظ يتقدم زاحفا فوق ارض تصحر نبتها ولم يترك جرادها غير أشواك تدافع عن وجودها بحرابها المتحفزة للقتال ، وكان لا بد أن يقاتل حتى لا تبتلع الرمال المتحركة ما تبقى من امل .
كان يتشبث بأهداب الوطن وكراسيه كما يتشبث الغريق بجذع شجرة فاكتشف انه إنما كان يتشبث بطحالب طافية فما ادركه منقذ ولا هو ادرك زورق نجاة .
عاد عبد الكريم من رحلته الشاقة في شوارع المدينة نابشا في حاويات القمامة وجامعا لعبوات الالمنيوم والبلاستيك الى غرفته المتهالكة على اطراف منتجع الفقر المدقع بحصيلة تافهة تكفي لتجهيز كوب من الشاي وشراء رغيف خبز وبعض خضار الدرجة الثالثة ليكتب في يومياته المدونة ما يلي : ( اليوم اكمل صراعي مع الحياة عامه السبعين ،، مقاتل وحيد في معركة ساحتها بلا حدود ،، عثرات بلا عدد وسقوط باسباب ونهوض بلا امل ولكنني سأواصل المعركة للحصول على مكان بين الموتى المترفين ..) .
واضاف على الصفحة المقابلة ( اتساءل ما هو وجه الشبه بين من يجمع العبوات الفارغة وبين من يجمع الدنانير الذهبية ؟؟ هناك اختلاف في مستوى الحظ ولكنهما يجمعان ويجمعان وفي النهاية يغادران بايدي فارغة وفقر تام ،، وما هو وجه الشبه بين غرفتي الحزينة وبين قصر صديقي حمدي ايام الرابع الابتدائي ؟؟ سنلتقي يوما في غرفة واحدة ضيقة تحت ساحة حديقة الراحلين ....
اعترف إنني بهذا الكلام أعزي النفس وأختلق فرصة للامل ، لأجد في احلام اليقظة ما يريح العقل ويصرفه عن استعجال الخلاص بالرحيل النهائي ) .
في نهاية الصفحة كتب عبد الكريم ( .. كان الفقراء ينبشون الحاويات تحت جنح الظلام خجلا وسترة ، وحين ازدحموا عليها وتسابقوا إليها لم يعد للخجل مكان لا في الليل ولا في النهار ،، لماذا يحدث هذا ؟؟ وكرم بلدنا الحاتمي يطعم شمالا وجنوبا ،، ولا تكون الفزعة إلا للغرباء ،،، ألا طوبى للغرباء في بلد الاغنياء ) .
اخيرا وللعلم فصاحبنا يحمل شهادة جامعية قديمة في الفلسفة ، ولكن الفلسفة لا تطعم خبزا .