facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الاستقلال الأردني .. حين تحوّلت الجغرافيا إلى كرامة


صالح الشرّاب العبادي
24-05-2026 11:26 AM

ليست كلُّ الأوطان تُقاس بمساحتها، ولا كلُّ الدول تُوزَن بعدد سكانها أو حجم اقتصادها فهناك أوطانٌ تُقاس بما تحمله من معنى، والأردن واحدٌ من تلك الأوطان التي تحوّلت من جغرافيا محدودة إلى فكرة عظيمة اسمها: الوطن والكرامة.

في الخامس والعشرين من أيار، لا يحتفل الأردنيون بيومٍ عابرٍ في الذاكرة، بل يستحضرون لحظةً نادرة قرّر فيها هذا الوطن أن يخرج من ضيق التبعية إلى اتساع السيادة، ومن هامش التاريخ إلى قلبه لكنّ الاستقلال الأردني لم يكن مجرّد وثيقة سياسية وُقّعت، ولا خطابًا أُلقي، ولا علمًا ارتفع فوق سارية فالاستقلال الحقيقي بدأ حين قرّر الأردني أن يحمل وطنه فوق كتفيه، وأن يحرسه بعينيه، وأن يدفع عنه الفقر والخوف والانكسار بإرادةٍ لا تلين.

الأردن… الدولة التي بُنيت ضدّ المستحيل

حين تأسّس الأردن، لم تكن الموارد وفيرة، ولا الظروف رحيمة، ولا الجغرافيا مستقرة كان كلُّ شيء يوحي بأن هذه الدولة مشروعٌ مؤقّت في منطقةٍ لا تعترف إلا بالقوة.
لكنّ الأردنيين فعلوا ما هو أعظم من بناء دولة… لقد بنوا معنى الدولة بنوا جيشًا من العقيدة قبل السلاح، ومؤسساتٍ من الإرادة قبل المال، وهويةً وطنية قاومت التشظّي رغم كل العواصف ولهذا، فإنّ استقلال الأردن ليس معجزةً سياسيةً فقط، بل معجزة وعيٍ وصبرٍ وإيمان الاستقلال ليس أن نعيش على إرث الآباء… بل أن نستحقّه أخطر ما يمكن أن يحدث لأي وطن، أن يتحوّل الاستقلال فيه إلى “ذكرى محفوظة” بدل أن يبقى مشروعًا متجدّدًا فالاستقلال الحقيقي لا يعني أن نحفظ أسماء القادة والمعارك فقط، بل أن نكون نحن امتدادًا أخلاقيًا وفكريًا لتلك المرحلة.

أن نحارب الفساد كما حارب الأجداد الاستعمار أن نحمي الدولة من التفكك كما حموها من السقوط أن نبني اقتصادًا منتجًا، لا اقتصادَ انتظار.
أن نؤمن بأن الوظيفة ليست وطنًا، وأن الكرسي ليس إنجازًا، وأن الوطن أكبر من المصالح الضيقة كلّها الملك الذي سبق الزمن… ووليّ العهد الذي يتحدّث بلغة المستقبل

منذ سنوات، وجلالة الملك عبدالله الثاني يدفع باتجاه مفهومٍ مختلف للاستقلال؛ استقلالٍ لا يكتفي بالسيادة السياسية، بل يسعى إلى السيادة الاقتصادية، والسيادة المعرفية، والسيادة التكنولوجية، وأن يكون الأردن رقمًا مميزًا ذا مكانةٍ مرموقة بين الدول حين يُذكر اسمه أو تاريخه.

لقد فهم الملك مبكرًا أن العالم لا يحترم الدول الضعيفة، مهما كانت عواطفها الوطنية عالية، وأن الوطن الذي لا يُنتج علمًا وصناعةً وقرارًا مستقلًا، يبقى مُعرّضًا للضغط مهما رفع من شعارات ولهذا جاءت رؤيته قائمةً على التحديث لا التجميل، وعلى بناء الإنسان لا إدارة الأزمات فقط.

أما سمو الأمير الحسين بن عبدالله، وليّ العهد، فإنه يُقدّم نموذجًا مختلفًا في العلاقة مع الجيل الجديد؛ لا يخاطبهم من برجٍ عالٍ، بل من داخل طموحاتهم.
يتحدث بلغتهم، ويقترب من تفاصيلهم، ويزرع فيهم فكرة أن الأردن ليس وطنًا للبقاء فقط، بل وطنٌ للإنجاز والابتكار والمنافسة.

الشعب الأردني… الجندي المعلوم في معركة البقاء

ورغم كل ما يُقال عن السياسة والاقتصاد، يبقى الشعب الأردني هو المعجزة الحقيقية لهذا الوطن.

هذا الشعب الذي صبر حين كان الصبر مُرًّا، ووقف مع دولته حين كانت المنطقة كلّها تتساقط، وتحمل الأعباء بصمت العارف أن الأوطان لا تُبنى بالصراخ، بل بالعشق الأبدي السرمدي لكل ذرةٍ من ترابه.

الشعب الأردني لم يكن يومًا جمهورًا على مدرجات الوطن، بل كان دائمًا أحد أعمدة بقائه، بعشائره وعائلاته وأُسرته الأردنية الكبيرة العظيمة.
هو الذي قدّم أبناءه شهداء دون تردد، وهو الذي احتمى بالدولة لا منها، وآمن أن الفوضى ليست حرية، وأن الاختلاف لا يعني هدم البيت.

لكن… هل يكفي أن نحتفل؟

الاحتفال جميلٌ ومستحق، لكنه لا يكفي.

فالاستقلال الذي لا يُترجم إلى عدالة، يبقى ناقصًا.
والاستقلال الذي لا يُحارب الفساد، يبقى هشًّا.
والاستقلال الذي يُهمّش الكفاءات ويُغلق أبواب الفرص، يتحوّل بالتدريج إلى شعورٍ بالإحباط لا إلى طاقة بناء.

إن أخطر أعداء الاستقلال ليسوا دائمًا على الحدود، بل قد يكونون داخل المؤسسات، حين تتحوّل الواسطة إلى قانون، والمصلحة الخاصة إلى أولوية، والولاءات الضيقة إلى بديل عن الانتماء الوطني.

ولهذا، فإن حماية الاستقلال اليوم لا تكون فقط بحمل السلاح، بل بحمل الضمير، والإخلاص في العمل من هرمه إلى قاعدته الأردن لا يريد من أبنائه التصفيق… بل المشاركة الوطن لا يحتاج جمهورًا يُجيد الهتاف أكثر مما يحتاج عقولًا تُجيد التفكير، وسواعد تُجيد العمل، وضمائر تُجيد حماية الحق.

أن تكون أردنيًا، لا يعني أن تكتفي بحب الوطن عاطفيًا، بل أن تتحوّل أنت إلى قيمةٍ مضافة له أن تُتقن عملك، وتحترم القانون، وترفض الفساد، وتؤمن أن نجاحك الشخصي جزءٌ من نجاح الدولة فالاستقلال الحقيقي ليس ما حدث عام 1946 فقط… بل ما سنفعله نحن بعد ثمانين عامًا من ذلك التاريخ.

في زمنٍ سقطت فيه دولٌ كانت تبدو أقوى وأكثر ثراءً، بقي الأردن واقفًا… لأنه يملك الإنسان قبل الموارد.
وليس لأنه بلا أزمات، بل لأنه يملك قيادةً تعرف كيف تعبر الأزمات، وشعبًا يعرف كيف يحمي وطنه دون أن يساوم عليه.

لهذا، فإن عيد الاستقلال ليس مناسبةً للحنين فقط، بل موعدٌ سنوي نسأل فيه أنفسنا: هل ما زلنا نستحق هذا الوطن؟

فالأردن لم يكن يومًا دولةً عابرة…بل فكرة شرف، ومشروع كرامة، ورسالة بقاء.

ومن يفهم معنى الأردن، يدرك أن الاستقلال فيه ليس يومًا يُحتفل به… بل عهدًا يُحمَل إلى الأبد.

اخيراً اقول : الأردن ليس صدفة تاريخية… بل مشروع بقاء واستمرار .





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :