استقلال صيغ بالشرعية وانتُزع بالمبادئ
أمل محي الدين الكردي
24-05-2026 01:50 PM
لم يكن الأردن يوماً مجرد حدودٍ خُطَّت على خارطة، بل كان عقيدةً صيغت بالدم والمبادئ، وتاريخاً عُجن بصلابة الموقف في وجه عواصف الجغرافيا والسياسة. وحين تقف هذه الدولة اليوم شامخة، فإنها لا تحتفل بمجرد طي السنين، بل تعلن انتصار الإرادة الهاشمية والوعي الأردني على محاولات التهميش والتبعية، لتظل راية الاستقلال خفاقة، شاهدة على وطنٍ وُلد من رحم النضال ولم يساوم يوماً على سيادته.
وعلى أعتاب الثمانين عاماً من الاستقلال الرسمي، ومع إتمام الدولة الأردنية عامها الخامس بعد المئة من عمرها المديد، يقرأ الأردنيون اليوم في كتاب الاستقلال بوعي جديد. هي حكاية وطنٍ لم يولد بقرارٍ عابر، بل كان ثمرة نضالٍ مرير خاضه الهاشميون والأردنيون الأوائل ضد موازين القوى الدولية و"دار المندوبية" التي حاولت طويلاً مصادرة القرار السيادي للإمارة الناشئة.
منذ إعلان ولادة الدولة في عام 1921م، قطع الأردن مسافة قرنٍ ونصف عقد من الزمان كانت مليئة بالتربص من قوى دولية تتشكل وأطماع استعمارية لا تهدأ. في تلك العقود الأولى، كان شرق الأردن يخوض معركته على طاولة "دبلوماسية الانتداب" لانتزاع اعتراف بالوجود، وهو ما تحقق عبر محطتين مفصليتين:
الاستقلال الأول (1923م): حين أعربت الدولة عن ذاتها ككيان عربي، وكان الهمُّ يومها "شمالاً" نحو سوريا ومصابها في ميسلون، في خطابٍ تاريخي للملك المؤسس ربط فيه حرية الأمة واستقلال الوطن.
الاستقلال الناجز (1946م): الذي ثبّت الهوية الأردنية بلقب "المملكة"، وأُعلنت البيعة للملك عبد الله الأول وريث النهضة العربية، ليكون ملكاً دستورياً على رأس دولةٍ واجهت أعتى المشاريع التأمرية في التاريخ الحديث.
بين "الاستقلال الأول" و"الاستقلال الرسمي"، خاض الملك المؤسس معركة شرسة مع الانتداب البريطاني. فبينما أرادت "دار الاعتماد" للأردن أن يكون كياناً وظيفياً ضعيفاً، كان الملك الشهيد يراه "نواة لرسالة النهضة". ورغم طرد الاستقلاليين وتغلغل النفوذ البريطاني في المفاصل آنذاك، إلا أن الإرادة الوطنية نجحت في وضع "القانون الأساسي" عام 1928م، الذي شكّل الحجر الزاوية لدستور عام 1952م، وبناء مؤسسات الدولة وتوسيع حدودها لتطل على العقبة عام 1925م.
يمتاز الأردن بصدق خطابه السياسي؛ فالعروبة هنا ليست "لوثة" أيديولوجية أو شعارات تناقض مع الأفعال، بل هي هوية موصولة بإرث إسلامي ومسيحي عميق، وقيادة هاشمية تنظر للإنسان كقيمة عليا. لقد شكل الأردن عبر عقود عمره الـ (105) خطاباً ينحاز للإنسان العربي وحقوقه المشروعة، بعيداً عن ضيق الأيديولوجيات التي حاصرت دولاً أخرى وأدخلتها في دوامات التشظي.
لم يكن درب الاستقلال مفروشاً بالورود، بل عُمّد بالتضحيات التي كان ذروتها استشهاد الملك المؤسس على عتبات المسجد الأقصى.
واليوم، وبينما يشتد الهم "غرباً" حيث فلسطين والقدس، تستنهض ذكرى الاستقلال فينا العزيمة لتبقى حرابنا وعقولنا مستمسكة بالحق.
إن الاحتفال بالاستقلال اليوم هو تجديد للثقة بالمملكة وخطابها ومليكها. فالأردن ليس مجرد جغرافيا, بل هو رمز للملك العربي الرشيد والحمى الذي يقاتل لأجل مبادئه. إن بقاء الأردن قوياً مستقلاً هو "حق" أصيل لأجيالنا القادمة، وضرورة لاستقرار المنطقة، ليبقى هذا الوطن دائماً رأس الحربة في وجه الظلم، والواحة التي لا تساوم على كرامتها.
اليوم، يمضي الأردن في مئويته الثانية، شامخاً بقيادة جلالة الملك عبد الله الثاني المعظم، وعضده سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبد الله، يحملان أمانة الاستقلال بكل ثبات، ليبقى الأردن وطناً حراً، عزيزاً، ومنيعاً.
إن الاستقلال في الوجدان الأردني ليس صفحة طُويت في سجلات الماضي، بل هو العهد المعقود بين القيادة والشعب، والميثاق الذي نحمله أمانة جيلٍ بعد جيل. ومع مضي الأردن في مئويته الثانية خلف راية جلالة الملك عبد الله الثاني وعضده ولي عهده الأمين، يبقى هذا الحمى العربي الأشمّ عصياً على الانكسار، ثابتاً على مبادئه، ومشرعاً أبوابه للمستقبل بكرامة لا تهتز، وعزيمة لا تلين. فليحفظ الله الأردن، وطناً حراً، عزيزاً، وتاجاً يرصّع جبين الأمة.