الأردن وهاجس الضفة الغربية: قراءة في المخططات التوسعية والموقف الثابت
السفير ماهر لوكاشه
25-05-2026 02:19 PM
رداً على مقال معالي حسين المجالي المحترم "القلق الملكي وهاجس الضفة الغربية" والمنشور في صحيفة الرأي الأردنية
إن القلق الأردني تجاه الضفة الغربية ليس سراً، بل هو هاجس وجودي تفرضه حقائق الجغرافيا والتاريخ، وتؤكده تصريحات وممارسات إسرائيلية لا تخفى على المتابعين. فما يجري خلف النهر من مخططات ضم، وتصاعد للاستيطان، ومساعٍ لتفريغ الأرض من أهلها، لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يضع الأردن أمام سيناريوهات كابوسية طالما سعى إلى تجنبها. إن فكرة “إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات” ليست مجرد نظرية مؤامرة، بل هي مخطط استراتيجي تدعمه تصريحات علنية وخرائط رسمية، وتؤكده أحداث تاريخية ومعاصرة.
لقد تجلى الطموح التوسعي الإسرائيلي في عدة مناسبات، أبرزها ما قام به رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في سبتمبر 2023، عندما عرض خلال خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة خارطة لما أسماه “الشرق الأوسط الجديد”، والتي أظهرت ضم الضفة الغربية وقطاع غزة إلى إسرائيل، متجاهلاً بذلك وجود دولة فلسطين. كما عرض خارطة “إسرائيل عام 1948” التي شملت الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهو ما يتنافى مع الحقائق التاريخية والقانون الدولي. هذه الخرائط ليست مجرد أدوات بصرية، بل هي تعبير صريح عن رؤية توسعية تهدف إلى إلغاء الوجود الفلسطيني وتوسيع حدود إسرائيل.
ولا يقتصر هذا الطموح على الأراضي الفلسطينية، بل يمتد ليشمل أراضي دول عربية مجاورة. فالتصريحات المتوالية من مسؤولين إسرائيليين، بمن فيهم نواب في الكنيست ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، بضرورة ضم جنوب لبنان حتى نهر الليطاني، تعكس استمرارية الفكر التوسعي. هذه الدعوات، التي صدرت في مارس 2026، تؤكد أن مفهوم “أرض إسرائيل” (Eretz Yisrael) الذي يتبناه التيار الصهيوني القومي المتطرف، لا يزال يشكل ركيزة أساسية في الفكر السياسي الإسرائيلي، ويدعي أن كل هذه الأراضي تنتمي إلى الدولة الصهيونية.
وفي سياق أوسع، يمكن ربط هذه المخططات بما كشفه الجنرال الأمريكي المتقاعد ويزلي كلارك في عام 2007، عن مذكرة تعود لعام 2001، تفيد بأن الولايات المتحدة كانت تخطط لـ “إسقاط سبع دول في خمس سنوات: العراق، سوريا، لبنان، ليبيا، الصومال، السودان، وإيران”. هذه التصريحات، وإن كانت صادرة عن مسؤول أمريكي، إلا أنها تتقاطع مع الأهداف الإسرائيلية في إضعاف دول المنطقة وتمهيد الطريق لمزيد من النفوذ والتوسع، مما يخدم بشكل غير مباشر أجندة “إسرائيل الكبرى”.
لقد أدرك الأردن، بقيادته الهاشمية الحكيمة، منذ فجر تأسيس الدولة، الأطماع الإسرائيلية والصهيونية في المنطقة. ولم يكن الخيار الأردني خياراً عشوائياً، بل كان وما زال مبنياً على الحزم والقوة في التصدي لهذه الأطماع، وفي الوقت ذاته، على الحكمة وبعد النظر في اختيار طريق السلام كنهج حضاري لدرء الأخطار. إن توقيع الأردن لاتفاقية السلام مع إسرائيل لم يكن تنازلاً، بل كان تكتيكاً استراتيجياً بعيد النظر. فمن خلال هذه الاتفاقية، تمكن الأردن من تحقيق إنجاز تاريخي كبير، وهو إجبار دولة الكيان على تحديد حدودها الشرقية. هذا الإنجاز، الذي قد يغفل عنه البعض، كان بمثابة خط أحمر واضح أمام أي محاولات توسعية إسرائيلية باتجاه الشرق، وحمى الأردن من سيناريوهات التهجير القسري التي كانت وما زالت تشكل هاجساً.
إن الأردن، رغم الأعباء السياسية والمالية والاقتصادية التي يتحملها، يظل يقظاً ومراقباً للأنياب الصهيونية التي تحاول قضم أجزاء من أرض الأمة العربية. ويؤكد الأردن على أن الضفة الغربية وقطاع غزة هما أرض الدولة الفلسطينية المستقبلية، ولا بديل عن ذلك، ولا مجال للتفاوض عليه.
أما الحديث عن الجبهة الداخلية، فإنها صلبة وسليمة وقوية وموحدة. إن جميع المواطنين الأردنيين، من كافة الأصول والمنابت والأعراق والملل والمذاهب والديانات، حريصون على أن يبقى الأردن مملكة مستقلة حرة عزيزة تنعم بالسلام والأمن والأمان والاستقرار والرخاء. والفلسطيني الواعي والمدرك للخطر الصهيوني حريص على سلامة وأمن ووحدة الأردن أكثر من أي شخص آخر، لأنه عاش التجربة القاسية بفقدان وطنه ومرارة التهجير وفقدان كل شيء كان يملكه هو وسلالته التي سبقته.
إن التحديات التي تواجه الأردن اليوم، من مكافحة الفساد وتحسين الوضع الاقتصادي ومحاربة البطالة، تتطلب “الحزم العادل”، وهو ما تسعى إليه القيادة الأردنية والشعب الأردني بكل قوة وعزيمة.
إن القلق الأردني تجاه الضفة الغربية هو قلق وجودي، مدعوم بأدلة دامغة على المخططات التوسعية الإسرائيلية. ومع ذلك، فإن الأردن، بقيادته الحكيمة وشعبه الموحد، يمتلك القدرة على التصدي لهذه التحديات بحزم وحكمة، مستنداً إلى تاريخ طويل من الصمود والتضحية، ومتمسكاً بمبادئه الثابتة في دعم القضية الفلسطينية وحماية مصالحه الوطنية.