facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الاستقلال الثمانون: من الاحتفاء بالوطن إلى توثيق السردية الأردنية


د. بلال خصاونة
25-05-2026 07:12 PM

يعود عيد الاستقلال في كل عام بوصفه مناسبة وطنية تتجاوز حدود الاحتفال والرموز والشعارات، ليطرح سؤالًا أعمق: ماذا يعني الاستقلال في الوعي الجمعي؟ وهل هو مجرد تاريخ في الذاكرة الوطنية أم أنه جزء من قصة مستمرة يرويها الأردنيون عن أنفسهم؟
لا تُبنى الدول على الحدود والجغرافيا والمؤسسات فقط، بل تحتاج أيضاً إلى قصة مشتركة تمنح أفرادها شعوراً بالانتماء والمعنى. هنا تظهر أهمية ما يُعرف بالسردية الوطنية؛ بوصفها قصة جماعية تتشكل عبر الزمن، وتُبنى من التجارب المشتركة والذاكرة العامة والقيم والرموز التي يتفق المجتمع على اعتبارها جزءاً من هويته.
في الحالة الأردنية، لا تبدأ هذه القصة من حدث سياسي منفصل، بل من مسار طويل ارتبط ببناء الدولة وتأسيس المؤسسات وتجاوز التحديات وتحقيق الاستقرار في بيئة إقليمية شديدة التعقيد. لذلك فإن عيد الاستقلال لا يُقرأ بوصفه لحظة انتهت عام 1946، إنما باعتباره نقطة انطلاق لمسيرة مستمرة من بناء الدولة وتعزيز الهوية الوطنية. فالاستقلال ليس مجرد انتقال سياسي أو قانوني نحو السيادة، بل هو في الوعي الوطني قصة عن الإرادة والإنجاز والمسؤولية المشتركة. ومن خلال هذه القصة يتشكل إدراك الأفراد لأنفسهم بوصفهم جزءاً من مشروع وطني أكبر، تتشارك فيه الأجيال المختلفة، ويُرحب فيه بالتنوع داخل المجتمع، حيث يُمنح هذا التنوع إطاراً جامعاً. فالقصة الجماعية الناجحة ليست تلك التي تلغي الاختلافات، وإنما التي تجعل الجميع يشعرون بأن لهم مكاناً داخلها، وأن مساهماتهم وتضحياتهم وإنجازاتهم جزء من رواية وطنية أوسع.
وفي هذا السياق، تبدو دعوة سيدي سمو الأمير الحسين بشأن توثيق السردية الأردنية خطوة تتجاوز البعد الثقافي أو التوثيقي التقليدي؛ لأنها تنطلق من إدراك أن الدول لا تحمي حدودها ومؤسساتها فحسب، بل تحمي أيضاً قصتها الوطنية وذاكرتها المشتركة. فأهمية هذه الدعوة لا تكمن في جمع الوثائق أو تسجيل الأحداث فقط، بل في بناء رواية وطنية موثقة تعكس مسار الدولة الأردنية وتحفظ تفاصيل التجربة الإنسانية والاجتماعية والسياسية التي صنعت الأردن.
ولذلك لا بد أن يشكّل عيد الاستقلال الثمانون نقطة البداية العملية لتنفيذ دعوة سمو ولي العهد لتوثيق السردية الأردنية؛ فهذا اليوم يمثل الحدث الجامع الذي تلتقي عنده الذاكرة الوطنية مع الهوية والتاريخ والمستقبل. فهذه المناسبة لا تستدعي استحضار الماضي فحسب، بل تتيح فرصة لإطلاق مشروع وطني متكامل يعيد جمع الحكايات والتجارب والوثائق والشهادات التي شكّلت مسيرة الدولة الأردنية منذ تأسيسها وحتى اليوم. فبدل أن يقتصر الاحتفاء بعيد الاستقلال على المظاهر الاحتفالية التقليدية، يمكن أن يتحول إلى موسم وطني لإعادة اكتشاف القصة الأردنية؛ من خلال إطلاق مبادرات لتوثيق الروايات الشفوية، وأرشفة قصص الشخصيات الوطنية والمجتمعية، وتشجيع الجامعات والباحثين والطلبة والمؤسسات الإعلامية والثقافية على إنتاج محتوى يوثق محطات بناء الدولة وتحولاتها، ليصبح الاستقلال أكثر من ذكرى وطنية؛ بل يتحول إلى لحظة سنوية تتجدد فيها عملية كتابة السردية الأردنية، لا باعتبارها قصة من الماضي فقط، بل مشروعاً مستمراً يشارك في صناعته الأردنيون جميعاً.
واخيراً، الأوطان لا تُبنى بالوقائع وحدها، بل تُبنى أيضاً بالقصص التي تحفظ ذاكرتها، وبالسرديات التي تمنح أبناءها شعوراً بأنهم ليسوا مجرد شهود على التاريخ، بل جزء من صناعته واستمراره. ولعل أعظم ما يمكن أن نحتفل به في عيد الاستقلال، ليس استذكار كيف بدأت قصة الأردن فحسب، بل كيف سنحفظها ونرويها للأجيال القادمة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :