أوروبا والتحوّل الاستراتيجي نحو السيادة الرقمية
جهاد أبو صبحيه
25-05-2026 10:19 PM
ردًا على الدكتور مالك القصاص
في زمن تتسارع فيه التحوّلات الجيوسياسية والتكنولوجية على نحو غير مسبوق، تبرز الحاجة إلى قراءة متأنية للمشهد الدولي، خصوصًا في ما يتعلق بموقع أوروبا بين ضغوط الولايات المتحدة وصعود القوى العالمية الأخرى. وقد أثار مقال ادكتور مالك القصاص نقاشًا مهمًا حول مستقبل القارة العجوز وسعيها نحو السيادة الرقمية والاستقلال الاستراتيجي.
ومع تقديري العميق لما طرحه الدكتور القصاص، أجد أن بعض النقاط تستحق إعادة النظر، سواء فيما يتعلق بقدرة أوروبا على تجاوز اعتمادها التاريخي على الولايات المتحدة، أو في ما يخص انعكاسات هذه التحولات على منطقتنا العربية، وعلى الأردن تحديدًا، الذي يقف منذ عقود في قلب عواصف الشرق الأوسط دون أن يفقد بوصلته أو استقراره.
هذا المقال يأتي لتقديم رؤية موازية تستند إلى قراءة واقعية للتوازنات الدولية، وإلى فهم عميق لطبيعة التحديات التي تواجه أوروبا من جهة، والأردن من جهة أخرى، في عالم يتغيّر بسرعة تفوق قدرة الكثير من الدول على التكيّف.
أولًا – أوروبا بين الطموح والواقع
القول إن مواقف الإدارة الأمريكية الأخيرة قد تدفع أوروبا إلى التعافي من اعتمادها العميق على الولايات المتحدة هو تحليل منطقي من حيث الاتجاه، لكنه بعيد عن التحقق في المدى القريب.
فالقارة الأوروبية ما تزال تواجه تحديات بنيوية، أبرزها:
* غياب سياسة خارجية موحدة
* تضارب المصالح بين دول الاتحاد الأوروبي
* هشاشة منظومة الأمن والدفاع المشترك
* الاعتماد التكنولوجي والرقمي شبه الكامل على الولايات المتحدة
إن بناء استقلالية استراتيجية حقيقية – سواء في الأمن أو التكنولوجيا أو الطاقة – يحتاج عقودًا طويلة، وإرادة أوروبية متماسكة، وهو ما لا يبدو متاحًا في الوقت الراهن.
ثانيًا – الأردن: دولة صغيرة في جغرافيا كبيرة
لا نريد أن نجلد الأردن أكثر مما يجب. فاقتصاد الأردن بسيط، نعم، لكنه ليس هشًّا بطبيعته، بل يتعرض منذ عقود لضغوط ناتجة عن مخاضات الشرق الأوسط التي لا تهدأ:
* موجات لجوء متتالية
* حروب إقليمية
* أزمات اقتصادية عالمية
* تقلبات جيوسياسية لا تنتهي
ورغم ذلك، استطاع الأردن – ملكًا وحكومةً وشعبًا – أن يتحمل ما لا تتحمله دول أكبر وأغنى، وأن يمتص صدمات قاسية، وأن يحافظ على استقراره وسط بحر متلاطم من الأزمات.
هذه القدرة على الصمود ليست صدفة، بل هي ميزة وطنية راسخة، تشكّلت عبر عقود من الحكمة السياسية، والمرونة، والقدرة على إدارة الأزمات.
ثالثًا – ثمانون عامًا من الدولة الأردنية
ثمانية عقود مضت حملت آلامًا وآمالًا، لكنها رسخت دولة مؤسسات قادرة على الاستمرار، وعلى النظر إلى المستقبل بتفاؤل واقعي.
لقد أثبت الأردن أن الاستقرار ليس نتاج القوة الاقتصادية فقط، بل نتاج الوعي السياسي وتماسك المجتمع وحكمة القيادة.
ونتمنى من الله أن تكون الثمانون عامًا القادمة أجمل وأقوى، وأن يحمل المستقبل للأردن مزيدًا من الاستقرار والازدهار.
اخيرا
في ضوء ما تقدّم، يتّضح أن التحوّلات الدولية، سواء في أوروبا أو في الشرق الأوسط، أعقد بكثير من أن تُختزل في مسار واحد أو نتيجة واحدة. فالقارة الأوروبية ما تزال تبحث عن هويتها الاستراتيجية وسط تناقضات داخلية وتحديات خارجية، بينما يواصل الأردن صموده التاريخي في منطقة لا تعرف الاستقرار.
إن قراءة المشهد العالمي تتطلب واقعية سياسية وابتعادًا عن التوقعات المتفائلة أو المتشائمة على حدّ سواء. فالعالم يتغيّر بسرعة، لكن قدرة الدول على التكيّف تختلف، وأوروبا ليست استثناء، كما أن الأردن – رغم محدودية موارده – أثبت أنه قادر على البقاء واقفًا في وجه العواصف.
ويبقى الأمل أن تحمل السنوات القادمة مزيدًا من الوضوح في المسار الأوروبي، ومزيدًا من الاستقرار والازدهار للأردن، دولةً وشعبًا ومؤسسات.