المصرفية الإسلامية .. هل تكفي مشروعية المنتج؟
د. محمد فخري صويلح
31-05-2026 12:06 AM
تشهد المصرفية الإسلامية في الأردن مرحلة نضج مؤسسي من حيث الانتشار وتوسع قاعدة المتعاملين، غير أن هذا النضج الكمي لم يواكبه بالضرورة نضج نوعي في فلسفة تصميم المنتجات،،، إذ ما تزال نسبة معتبرة من المنتجات تُصاغ ضمن منطق محاكاة التمويل التقليدي بثوب شرعية، أكثر من كونها تعبيراً عن نموذج اقتصادي مستقل يعيد تعريف العلاقة بين رأس المال والمخاطر والقيمة المضافة في الاقتصاد الحقيقي.
ومن خلال متابعة تطور الصناعة المصرفية الإسلامية في الإقليم، يتضح أن التحدي لم يعد في إجازة المنتج شرعياً، بل في هندسة المنتج نفسه،، وهل يحقق مقاصد التمويل الإسلامي في إعادة توزيع المخاطر؟ وهل يخلق قيمة اقتصادية حقيقية أم يعيد تدوير الديون بصيغة مختلفة؟
من هنا تتبلور الحاجة إلى إطار تحليلي حاكم يمكن تسميته نموذج التوازن الثلاثي في المصرفية الإسلامية القائم على ثلاثة أعمدة متلازمة،، المشروعية، وجودة الخدمة، وعدالة التسعير المرتبطة بالبنية الاقتصادية للمنتج.
المشروعية كهندسة اقتصادية لا كاعتماد فقهي
في تقديري المؤسسي، فإن الصناعة المصرفية الإسلامية استقرت على منظومة رقابة شرعية متقدمة نسبياً، إلا أن الإشكالية الحديثة لم تعد في صحة العقود، بل في طبيعة البنية الاقتصادية التي تنتجها هذه العقود.
فالمشروعية في مستواها العميق لا تُقاس فقط بصحة الصياغة، بل بطبيعة التدفقات النقدية، وتوزيع المخاطر بين الأطراف، وارتباط التمويل بأصل اقتصادي حقيقي، إضافة إلى درجة الابتعاد عن إعادة إنتاج الديون بصيغة مموهة .
وعليه، فإن أي منتج لا ينجح في نقل التمويل من منطق الديون إلى منطق الأصل أو المشاركة، يظل مشوباً بفجوة بين الشكل والمقصد، حتى وإن كان سليماً من الناحية الشكلية.
فالمشروعية في المصرفية الإسلامية ليست تحققاً عقدياً فقط، بل هي إعادة هندسة للعلاقة بين المال
والاقتصاد الحقيقي.
الخدمة كعنصر شرعية تنافسية وليس تحسيناً تشغيلياً.
وفي الأسواق المالية التنافسية، لم تعد المشروعية وحدها كافية لتبرير استدامة المنتج الإسلامي، بل أصبحت جودة الخدمة جزءً من الشرعية التنافسية للصناعة، وتشمل الخدمة هنا سرعة التنفيذ ودقته، ووضوح الإجراءات ومرونتها، وتجربة العميل الشاملة.
إن ضعف التجربة التشغيلية لبعض المنتجات يؤدي إلى مفارقة بنيوية، التزام شرعي من جهة، وتراجع تنافسي من جهة أخرى، وهو ما يضعف تدريجياً الطلب الطبيعي على التمويل الإسلامي.
ومن منظور اقتصادي، فإن المنتج الإسلامي الذي لا يستطيع أن يكون بديلاً عملياً منافساً، سيبقى في موقع الخيار البديل، لا الخيار الطبيعي، فالمنتج الإسلامي لا يُقاس بمدى مطابقته للضوابط فقط، بل بقدرته على أن يصبح خياراً اقتصادياً أولياً لا استثنائياً لجمهور المتعاملين.
التسعير بين العدالة البنيوية والتبعية المرجعية
من خلال قراءة تطور الصناعة، تشكل مسألة التسعير أحد أكثر التحديات حساسية في المصرفية الإسلامية الأردنية، حيث تتراوح الممارسة بين تسعير مرتفع يُبرر بتكاليف الامتثال، أو تسعير مرجعي مرتبط ضمنياً بمؤشرات التمويل التقليدي،،، غير أن العدالة في التسعير لا تعني انخفاض السعر بحد ذاته، بل تعني شفافية تكوين السعر ، وارتباطه بالمخاطر الفعلية، وانعكاسه لبنية المنتج لا لمؤشر خارجي، واستقلاله النسبي عن مرجعيات الفائدة التقليدية.
إن غياب فلسفة تسعير مستقلة يؤدي إلى ظاهرة التبعية المرجعية، حيث يصبح المنتج الإسلامي تابعاً في التسعير لا في التصميم، وهو ما يحد من تطور السوق إلى نظام مالي إسلامي مكتمل الأركان.
ومن التجربة العملية في الأسواق المتقدمة، يتضح أن استقلالية المنتج تبدأ من استقلالية منطق التسعير قبل استقلالية الشكل القانوني، فحين يُستعار التسعير من نموذج تقليدي، يفقد المنتج الإسلامي جزءً من استقلاله الاقتصادي حتى لو احتفظ بسلامته الشرعية.
من اقتصاد التمويل إلى اقتصاد المشاركة
إن الغاية المركزية للمصرفية الإسلامية ليست إنتاج أدوات تمويل بديلة، بل إعادة توجيه بنية الاقتصاد نحو المشاركة في المخاطر، وربط التمويل بالإنتاج الحقيقي، وتقليل التوسع في الديون المعاد تدويرها، وتعزيز التمويل القائم على الأصول
وفي السياق الأردني تحديداً، حيث تتسم البنية الاقتصادية بضغط مالي وهيكلي، تصبح المصرفية الإسلامية مطالبة بلعب دور تنموي أعمق، يتجاوز تمويل الاستهلاك إلى تمويل الإنتاجية.
فالتحول الحقيقي المطلوب يمكن تلخيصه في معادلتين من اقتصاد التمويل إلى اقتصاد المشاركة، ومن إدارة الدين إلى توجيه رأس المال.
الحوكمة كضامن للتوازن البنيوي
لا يمكن بناء نموذج مصرفي إسلامي متوازن دون إطار حوكمة فعّال يربط بين الأبعاد الثلاثة للنموذج، وتشمل الحوكمة هنا لجان شرعية فاعلة لا شكلية، ولجان مخاطر مستقلة، ونماذج تسعير شفافة وقابلة للمراجعة، وآليات إفصاح مرتبطة بجوهر المنتج لا فقط نتائجه.
إن ضعف الحوكمة لا يؤدي فقط إلى مخاطر تشغيلية، بل إلى انحراف تدريجي في فلسفة المنتج ذاته نحو الشكلية، فالحوكمة ليست طبقة رقابية على المصرفية الإسلامية، بل هي البنية التي تمنع تحولها من مشروع اقتصادي إلى مجرد صيغة تمويلية.
نحو جيل جديد من هندسة المنتجات
إن المرحلة القادمة من تطور المصرفية الإسلامية في الأردن لا تتطلب مزيداً من المنتجات بقدر ما تتطلب إعادة هندسة المنتجات القائمة وفق منطق اقتصادي جديد.
ويتمثل هذا التحول في ثلاثة مسارات: إعادة تصميم العلاقة بين التمويل والأصل الاقتصادي، وتطوير نماذج مشاركة حقيقية في المخاطر والعوائد، وبناء استقلالية تدريجية في التسعير والقياس والمخاطر، وفي هذا السياق، فإن التحدي الأكبر ليس في الابتكار الشكلي، بل في بناء نموذج مالي إسلامي متماسك قادر على المنافسة إقليمياً، لا محلياً فقط،،، وقد يكون من المناسب أن تطور الجهات الرقابية مؤشرات نوعية تقيس درجة ارتباط المنتجات الإسلامية بالأصول الحقيقية ومستوى المشاركة الفعلية في المخاطر.
أختم أنه يمكن التأكيد على أن المصرفية الإسلامية الحقيقية ليست تلك التي تتجنب الربا فقط، بل تلك التي تعيد بناء العلاقة بين المال والإنتاج والعدالة الاقتصادية،،، فالتحدي الحقيقي أمام المصرفية الإسلامية في المرحلة القادمة ليس إثبات مشروعيتها، بل إثبات قدرتها على تقديم نموذج اقتصادي أكثر كفاءة وعدالة واستدامة من النموذج الذي جاءت بديلاً عنه،،، فالمستقبل لن يكون للأكثر التزاماً بالشكل، بل للأكثر قدرة على تحويل مبادئ الشريعة إلى قيمة اقتصادية ملموسة يشعر بها المتعامل والسوق والمجتمع.
وكلما اقتربت الصناعة المصرفية الإسلامية من هذا الفهم البنيوي، كلما انتقلت من مرحلة البديل التمويلي إلى مرحلة الركيزة الاقتصادية، فالمصرفية الإسلامية لن تُقاس في المرحلة المقبلة بمدى انتشارها المؤسسي، بل بقدرتها على إنتاج نموذج اقتصادي بديل يعيد تعريف العلاقة بين رأس المال والنمو والقيمة.
* مستشار المصرفية الإسلامية والحوكمة والاستثمار