بين الشائعة والحقيقة .. تبقى الدولة دولة مؤسسات
د. جاسر عبد الرزاق النسور
19-07-2026 11:27 AM
مع كل قرار حكومي، تمتلئ منصات التواصل الاجتماعي بالروايات والتفسيرات، حتى يختلط الرأي بالمعلومة، وتتحول التكهنات إلى حقائق في نظر البعض، رغم أنها لا تستند إلى دليل أو وثيقة.
وخلال وقت قصير، تبدأ الأحكام المسبقة، وتنتشر القصص، ويُبنى عليها نقاش واسع، بينما تبقى الحقيقة مرهونة بما تثبته الوقائع، لا بما يُتداول في الفضاء الإلكتروني.
ومن بين ما يثار بين الحين والآخر، الادعاء بأن مسؤولا سابقا "أسكت الحكومة"، وكأن مؤسسات الدولة يمكن أن تقف عاجزة أمام شخص واحد. مثل هذه الروايات لا تستقيم من دون دليل، فالدولة تدار بالمؤسسات، وقراراتها لا تصنعها منشورات مواقع التواصل ولا الشائعات المتداولة. أما رئيس الوزراء، فلا يبدو معنيا بمثل هذا الجدل، لأنه يدرك حجم المسؤولية التي يتحملها، ويقود عمل الحكومة وفق الأصول الدستورية والمؤسسية. وإذا كان لدى أي شخص، بمن فيهم مروجو الشائعات أو ما يعرف بالذباب الإلكتروني، أي معلومات موثقة، فمكانها الجهات المختصة، لا منصات التواصل أو حملات التشكيك والإثارة.
ويتحمل رئيس الوزراء، بحكم مسؤوليته الدستورية، إدارة الفريق الوزاري واتخاذ ما يراه مناسبًا لضمان انسجامه وتحقيق أهدافه. وهذه الصلاحية ليست استثناءً، بل جزء من طبيعة العمل الحكومي، الذي يقتضي الحسم عندما تستدعيه المصلحة العامة.
وهنا تكمن الرسالة الأهم، وهي أن المنصب العام مسؤولية قبل أن يكون امتيازًا. وهي رسالة لكل وزير حالي ولكل وزير سيأتي مستقبلًا: البقاء في الموقع يرتبط بالأداء، والالتزام، والعمل بروح الفريق، وتحمل المسؤولية أمام الدولة والمواطن.
الدولة الأردنية تقوم على مؤسسات دستورية راسخة، وتحظى بقيادة هاشمية، ولذلك فإن القانون هو المرجعية، والمؤسسات هي صاحبة الاختصاص. ومن يملك أي معلومة أو وثيقة أو دليل يتعلق بأي تجاوز، فليتقدم به إلى الجهات المختصة، فهي وحدها المخولة بالتحقيق واتخاذ الإجراءات اللازمة.
أما النقد المسؤول، فهو حق لا يختلف عليه أحد، لكنه يختلف عن الاتهام الذي لا يستند إلى دليل. فالنقد يهدف إلى تصويب الأداء، بينما تؤدي الشائعات إلى إرباك الرأي العام وإضعاف الثقة بالمعلومة.
ولست هنا أتحدث بصفتي مسؤولًا، ولا أمثل الحكومة، ولا أكتب دفاعًا عن أحد. ما أطرحه هو رأي شخصي يقوم على قناعة بأن الدولة تُحاكم بالوقائع، وأن من يملك دليلًا فليقدمه، أما الاتهامات المجردة فلا ينبغي أن تتحول إلى حقائق يتداولها الناس.
الدولة لا تُقاس بما يُكتب عنها في منصات التواصل الاجتماعي، بل بما تنجزه مؤسساتها على أرض الواقع. أما الشائعات، فمهما اتسع انتشارها، فإنها تبقى بلا قيمة إذا عجزت عن تقديم دليل واحد. وفي المقابل، يبقى القانون هو الفيصل، وتبقى المصلحة العامة هي البوصلة التي يجب أن تتقدم على كل رواية أو اجتهاد.