ها هو الوطن هدفًا للصواريخ .. فأين أنتم؟
محمد مطلب المجالي
19-07-2026 07:20 PM
حين كان الطريق إلى السفارة الإيرانية مزدحمًا بالزائرين، امتلأت المنابر بحديث حسن النوايا، وبالوعود الوردية، وبخطابات المقاومة التي لا ترى إلا ما تريد أن ترى.
واليوم... ها هو الوطن يقف في مرمى الصواريخ، وها هي سيادته تُختبر بالنار. فأين الذين أكثروا من التبرير؟ وأين الذين بالغوا في حسن الظن؟ وأين الذين كانوا يطالبون الأردنيين بالصمت كلما ارتفعت الأصوات محذرة؟
وما زلت أذكر تلك الوقفات والاعتصامات والخطب التي ملأت الساحات باسم نصرة غزة. يومها قلنا إن شاحنة دواء، أو قافلة طحين، أو حليب لطفل جائع، أنفع ألف مرة من ساعات طويلة من الهتاف والخطب. قلنا إن الإغاثة فعل، وإن الشعارات وحدها لا تطعم جائعًا، ولا تداوي جريحًا، ولا ترد عدوانًا.
لكن نصيبنا كان سيلًا من الاتهامات. قيل إننا لسنا مع الأشقاء، وإننا خذلنا القضية، لأننا رفضنا المتاجرة بآلام الناس، وقلنا إن اليد التي تحمل الدواء أطهر من اليد التي تلوح بالشعار، وإن الرغيف الذي يصل إلى المحاصرين أصدق من ألف بيان، وأبلغ من ألف هتاف.
واليوم يفرض الواقع سؤالًا لا يملك أحد الهروب منه: ماذا صنعت تلك الوقفات؟ وكم طفلًا أطعمت؟ وكم جريحًا داوت؟ وكم بيتًا أعادت إليه الحياة؟ وهل كانت تخدم غزة حقًا، أم كانت تخدم خطباء المنصات، وباحثي الأضواء، وأصحاب الأجندات؟
وحين أصبح الأردن نفسه في دائرة الاستهداف، صار الامتحان أصعب، وسقطت لغة المناورات. فالوطن لا يطلب قصائد حماس، ولا مهرجانات خطابة، بل يطلب موقفًا واضحًا لا لبس فيه: إدانة كل اعتداء على سيادته، أيًا كان مصدره.
والوطن لا يسأل أحدًا أين صلى، ولا لأي مذهب انتسب، ولا لأي محور مال، بل يسأل سؤالًا واحدًا: هل وقفت مع وطنك حين احتاج إليك؟
أما الذين كانوا يوزعون صكوك الوطنية، ويكيلون الاتهامات لكل مخالف، فقد آن لهم أن يجيبوا بدل أن يتهموا، وأن يراجعوا بدل أن يزايدوا. فالوطنية ليست صراخًا في الساحات، ولا صورة أمام سفارة، ولا شعارًا يرفع ثم يُطوى مع انتهاء المسيرة.
الوطنية أن تحمي وطنك من الفتنة قبل أن تحميه من الصاروخ، وأن تصون وحدته قبل أن ترفع راية غير رايته، وأن تجعل الأردن أولًا، لا هامشًا في دفاتر الآخرين.
وسيذكر التاريخ أن الأردن بقي واقفًا برجاله، ومؤسساته، وجيشه، وأجهزته الأمنية، وشعبه، بينما تهاوت شعارات كثيرة عند أول امتحان.
فالذين كانوا يتهمون الناس بالتقصير لأنهم دعوا إلى إرسال الدواء بدل الهتاف، عليهم اليوم أن يجيبوا: ماذا بقي من شعاراتكم بعد أن أصبح الوطن نفسه في مرمى النار؟
إن الأوطان لا تُحمى بالهتافات، ولا تُصان بالمزايدات، ولا تُبنى بالولاءات العابرة للحدود. الأوطان يحميها رجال يضعون ترابها فوق كل راية، وسيادتها فوق كل شعار، وكرامتها فوق كل حساب.
وحين ينقشع دخان الصواريخ، لن يسأل التاريخ من كان أعلى صوتًا، بل سيسأل: من كان أوفى لوطنه، وأصدق في مواقفه، وأنفع لأمته. وهناك لا يبقى إلا الحق، ولا يخلد إلا أصحاب المواقف.