facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الوحدة الوطنية في مواجهة صناعة الاستقطاب المجتمعي


م. سعيد المصري
20-07-2026 11:13 AM

ليست المجتمعات المستقرة هي تلك التي تخلو من الأخطاء أو التصريحات التي تثير الجدل، وإنما هي المجتمعات التي تمتلك من الوعي ما يحول دون تحويل الخطأ الفردي إلى انقسام جماعي، ودون استغلال حادثة عابرة لإحداث شرخ في نسيجها الوطني.

لقد شهد الأردن، كما شهدت دول كثيرة، أحداثاً ومواقف وتصريحات أثارت نقاشاً واسعاً في الرأي العام، إلا أن ما يستحق التوقف عنده ليس الحدث ذاته، وإنما الكيفية التي ينتقل فيها النقاش أحياناً من مناقشة الفعل أو الرأي إلى تعميم الأحكام على جماعات بأكملها، وكأن المجتمع يُدفع إلى إعادة إنتاج حساسيات تاريخية تجاوزها منذ زمن.

وهذه الظاهرة ليست أردنية فحسب، بل عرفتها مجتمعات عديدة عبر التاريخ، وكان بعضها يدفع ثمناً باهظاً عندما تحولت الخلافات العابرة إلى استقطابات اجتماعية عميقة. وتبقى تجارب بعض دول البلقان مثالاً واضحاً على أن الانقسامات تبدأ غالباً بكلمات أو مواقف محدودة، ثم تتسع دوائرها إذا غاب الوعي الوطني والحكمة في إدارتها.

ومن منظور علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي، يميز الباحثون بين ثلاثة مستويات مترابطة: الحدث، والتفاعل المجتمعي معه، ثم استثمار هذا التفاعل في اتجاهات تؤدي إلى تعميق الانقسام بدلاً من احتواء الاختلاف. وتزداد قابلية المجتمعات لمثل هذه الظواهر عندما تواجه تحديات معيشية واقتصادية وضغوطاً ناجمة عن التحولات الجيوسياسية التي يشهدها الإقليم والعالم، فيصبح الرأي العام أكثر حساسية، وأكثر عرضة للتأثر بالخطابات الانفعالية.

ومن هنا، فإن تحويل أي خطأ فردي إلى اتهام لجماعة كاملة يتعارض مع أبسط قواعد العدالة والمنطق، كما يتعارض مع القيم الدينية التي أرست مبدأ المسؤولية الفردية، قال تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾. فالأفراد يُحاسبون على أقوالهم وأفعالهم، أما المجتمعات فلا يجوز أن تُدان أو تُصنَّف بسبب تصرف فرد أو رأيه.

لقد نجحت الدولة الأردنية، على امتداد قرن من الزمان، في بناء هوية وطنية أردنية واحدة، لم تُلغِ التنوع الاجتماعي والثقافي الذي يميز المجتمع، بل جعلت منه أحد مصادر قوة الدولة. فالاختلاف في الأصول والمنابت لا يعني تعدد الهويات الوطنية، لأن الهوية الوطنية الأردنية واحدة، كما أن الولاء للدولة، والالتفاف حول القيادة الهاشمية، والمصير الوطني، كلها ثوابت يشترك فيها جميع الأردنيين دون استثناء.

وقد أثبت الأردنيون، في مختلف المحطات الوطنية، أن انتماءهم الأول هو للأردن، وأن الهوية الوطنية الأردنية الواحدة هي الإطار الذي يحتضن جميع المواطنين، وأن التنوع الذي يميز المجتمع الأردني يمثل ثراءً وطنياً يعزز الدولة ولا ينافس هويتها. وكان التفاف الأردنيين حول قيادتهم الهاشمية، عبر أكثر من قرن، أحد أهم أسباب قدرة المملكة على تجاوز الأزمات الإقليمية والدولية، وإفشال محاولات العبث باستقرارها، بفضل حكمة ملوك بني هاشم ووعي أبناء الوطن.

وفي ظل ما تشهده القضية الفلسطينية من تطورات متسارعة، وما تسعى إليه حكومة الاحتلال الإسرائيلي من فرض وقائع جديدة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، تتضاعف أهمية تماسك الجبهة الداخلية الأردنية. فالأردن، قيادةً وشعباً، يقف موقفاً ثابتاً في الدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ويرفض أي محاولات لتصفية قضيته أو فرض حلول تمس أمن المملكة أو هويتها الوطنية أو تسعى إلى تصدير تداعيات الصراع إليها.

ومن هنا، فإن المحافظة على الوحدة الوطنية لم تعد مجرد قيمة أخلاقية أو اجتماعية، بل أصبحت ضرورة استراتيجية تمثل أحد أهم مرتكزات الأمن القومي الأردني.

وفي عصر الثورة الرقمية، لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد منصات لتبادل الآراء، بل أصبحت في كثير من الأحيان أدوات قادرة على تضخيم الأحداث، وصناعة اتجاهات الرأي العام، وتأجيج الانفعالات بصورة غير مسبوقة. ومن هنا، فإن من المشروع أن تتولى الأجهزة الأمنية والمؤسسات الوطنية المختصة التحقق من مدى وجود أي تدخلات أو حملات خارجية تستهدف تأجيج المشاعر أو تعميق الاستقطاب داخل المجتمع الأردني. فإذا ثبت، بالأدلة الدامغة، وجود مثل هذه التدخلات، فإن من واجب الدولة كشفها للرأي العام، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق كل من يشارك فيها أو يتعاون معها، لأن استهداف الوحدة الوطنية لا يقل خطورة عن أي تهديد يمس أمن الدولة واستقرارها.

وفي المقابل، فإن أقوى وسائل حماية الوطن لا تبدأ بالإجراءات الأمنية وحدها، وإنما تبدأ من وعي المجتمع نفسه. فكلما ازداد تمسك الأردنيين بهويتهم الوطنية الأردنية الواحدة، وارتفع مستوى إدراكهم لمخاطر التعميم وخطابات الكراهية وصناعة الاستقطاب، تراجعت قدرة أي طرف على استثمار حادثة فردية أو تصريح عابر لإحداث شرخ في المجتمع.

لقد أثبت الأردن، طوال قرن من الزمن، أن قوته لم تكن في إلغاء التنوع، بل في إدارته ضمن مشروع وطني واحد يقوم على المواطنة، وسيادة القانون، والالتفاف حول الدولة وقيادتها الهاشمية. ولذلك، فإن الفسيفساء الأردنية ليست عبئاً على الدولة، وإنما إحدى أهم ركائز قوتها واستقرارها، وأحد أسباب قدرتها على مواجهة التحديات التي تعصف بالإقليم.

إن المحافظة على الوحدة الوطنية ليست مسؤولية الدولة وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة تتحملها مؤسسات الدولة، والنخب السياسية والفكرية والإعلامية، وكل مواطن يؤمن بأن مستقبل الأردن لا يصنعه الانقسام، وإنما تصنعه الثقة المتبادلة، والوعي، والإيمان الراسخ بأن الهوية الوطنية الأردنية واحدة، وأن قوة الوطن كانت وستبقى في وحدة أبنائه، والتفافهم حول دولتهم وقيادتهم الهاشمية





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :